عرض مشاركة واحدة
قديم 07-21-2013, 04:35 AM   #2
حسام السعيد
|| المدير الثانى لهمس ||
 
الصورة الرمزية حسام السعيد
 
تاريخ التسجيل: Fri Dec 2011
المشاركات: 31,431
معدل تقييم المستوى: 20
حسام السعيد has a brilliant futureحسام السعيد has a brilliant futureحسام السعيد has a brilliant futureحسام السعيد has a brilliant futureحسام السعيد has a brilliant futureحسام السعيد has a brilliant futureحسام السعيد has a brilliant futureحسام السعيد has a brilliant futureحسام السعيد has a brilliant futureحسام السعيد has a brilliant futureحسام السعيد has a brilliant future

اوسمتي

افتراضي رد: طفولة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم

وفي هذا المعنى يقول عمه العباس في أبياته المشهورة السائرة:
وأنت لما ولدت أشرقت الـ
أرض وضاءت بنورك الأفق
فنحن في ذلك الضياء وفي الـ
ـنور وسبل الرشاد نخترق
([22])

وفي هذا السياق يورد المؤرخون ما صاحب المولد المبارك من أحداث متنوعة، من مثل انشقاق إيوان كسرى وسقوط شرفاته حتى لم يبق منها إلا أربع عشرة شرفة، وأولت بأنه إيذان بزوال ملكهم، وأنه لم يبق منهم إلا أربعة عشر ملكا، وكان كذلك، وما أصاب البحيرة العظيمة في ساوة ([23]) من الغيض ـ أي أنها جفت تماما ـ وخمود نار فارس التي كانوا يعبدونها، والتي لم تخمد منذ ألف عام قبل مولده r .
وقد كان مولده r عقيب ذلك الحدث العظيم الذي سجله القرآن الكريم في سياق امتنان الله تعالى على قريش وعلى المؤمنين وبيان عاقبة المعتدين، إنها حادثة الفيل، عندما عزم أبرهة الحبشي على هدم الكعبة المشرفة فأهلكه الله وجيشه، ولم تمض إلا أيام معدودة، أربعون يوما أو نحوها، حتى ولد المعصوم r ، قال الله تعالى: }أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ{([24]).
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: كانت قصة الفيل توطئة لنبوته وتقدمة لظهوره وبعثته، وفي ولادة النبي r عقيبها دلالة على نبوته ورسالته، فإنه r بعث بتعظيم هذا البيت وحجه والصلاة إليه ([25])، فاقترن بمولده حماية البيت، واقترن بمبعثه تطهيره من الشرك ورده إلى ما كان عليه من دين إبراهيم الحنيف على التوحيد الذي لأجله بني البيت.
وهكذا تنفرج أسارير هذه الأم الكريمة المكلومة بفقد الزوج الحبيب عندما أشرقت عليها الطلعة البهيجة لذلك المولود المبارك، والذي ملأ البيت من حولها نورا وسرورا، ورأت فيه السلوى عن كل ما قد فاتها أو يفوتها من مباهج الحياة الدنيا وزينتها.
وها هي البشرى تزف للجد الشفوق عبد المطلب والذي لم تسعه الدنيا لفرحه بهذا الحفيد الحبيب، والذي رأى فيه ما يعوض حزنه على أبيه، وراح يشكر الله على هذه النعمة الجليلة والعطية الكريمة، وألهمه الله أن يسميه (محمدا) هذا الاسم الذي حماه الله أن يتسمى به أحد من قبل نبيه r ، فلم يتسمى به أحد إلا ما كان من عدد محدود سمي به بعض المولودين قرب مولده r لما قرأوا وعلموا من بعض الكتب والرهبان بقرب مولد خاتم الأنبياء والرسل، وما جاء من البشارة به في الإنجيل }وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ{([26])، رجاء أن يكون مولودهم هو صاحب تلك المنحة الإلهية.
وطفقت قريش تتسامع بهذا المولود المبارك وباتت البشارة يتناقلها أهل مكة، واحتفى البيت الهاشمي بمولودهم محمد، فنحر جده الذبائح في اليوم السابع وأقام الولائم، وكل هاشمي تغمره الفرحة والمسرَّة، حتى إن أبا لهب عم رسول الله r لما جاءته مولاته ثويبة تبشره بولادة آمنة وأنها رزقت بمولود ذكر ما كان منه إلا أن أعتقها جزاء بشارتها له ([27]).
وبقي نبينا r عند أمه الكريمة آمنة فترة وجيزة، فحين ولدته كان رضاعها له أياما معدودة، وأرضعته كذلك ثويبة جارية عمه أبي لهب مع ابن لها يقال له: مسروح.
ولما كان من عادة قريش استرضاع صغارها في البوادي، ليكون ذلك أوفق لهم في أبدانهم وألسنتهم، فقد استرضع النبي الكريم r في بادية بني سعد بالطائف، لدى السيدة الجليلة حليمة بنت ذؤيب السعدية ـ رضي الله عنها ـ فتولت رضاعه وحضانته، واغتبطت بمقامه عندها أكثر من ثلاث سنين، وسنشير إلى شيء من هذه الذكريات الأثيرة في صفحات تالية بعون الله.
ولما كان مبتدأ السنة الخامسة من العمر المبارك لنبينا محمد r عاد إلى أمه الحنون بعد أن قوي جسمه وبلغ من النضرة وتفتق الذهن ما لم يبلغه صبي في مثل عمره.
وها هو سيد الخلق r يدرج في كنف أمه الكريمة، التي أشغلت به ليلها ونهارها، فقد أضحى هو كل شيء في حياتها، وها هو الجد عبد المطلب يلاحظه ويرعاه ويخصه بمعاملة متميزة من التوقير والرعاية والعناية ما لم يجده حتى بنوه، كل ذلك من رعاية الله له وعنايته به: }أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى{([28]).
وعندما بلغ المعصوم r السادسة من عمره ارتأت أمه أن تذهب به إلى أخوال أبيه من بني النجار ([29]) بالمدينة، ليراهم ويروه، فأقامت عندهم شهرا من الزمان، وقد كانت ذكريات هذه الرحلة خالدة في ذاكرة نبينا r ، برغم حداثة سنه إذاك، فقد جاء في بعض الآثار ([30]) أنه r كان يذكر أمورا كانت في مقامه ذلك، لما نظر إلى أُطُم ([31]) بني عدي بن النجار عرفه وقال: "..... كنت مع غلمان من أخوالي نُطَيِّر طائرا كان يقع عليه....."، ونظر r إلى الدار فقال: "ههنا نزلت بي أمي، وفي هذه الدار قبر أبي عبد الله بن عبد المطلب، وأحسنت العوم في بئر بني عدي بن النجار"، هكذا يلتفت الحبيب r إلى تلك الأيام الخوالي وما تكتنفه من ذكريات أثيرة.... بصحبة أمه الرؤوم آمنة بنت وهب.
وها هو الركب ييمم نحو مكة بعد أن قضت الأم وصغيرها تلك الأيام المعدودة، وفي الطريق بين مكة والمدينة حلَّ مرض بالأم الجليلة آمنة، حتى وافاها الموت بالأبواء، فشاهد نبينا r فراقها ورحيلها عن الدنيا.... وقاسى لوعة ذلكم الفراق، حتى إنه r لما مر بموضع موت أمه بعد أكثر من خمسين عاما توقف عند قبر أمه ومعه عشرة آلاف فارس، فلم يرعهم إلا وسيدهم وإمامهم r يذرف الدموع الحرَّى، فبكى وأبكى من حوله من أجل أمه الرؤوم([32]).
ست سنين هي عمره r إذ فارق أمه، ليزيد جده عبد الطلب من رعايته والعناية به والشفة عليه، حتى إن عبد المطلب كان يوضع له فراش في ظل الكعبة، فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه، لا يجلس عليه أحد منهم إجلالا، وكان رسول الله r يأتي وهو غلام يجلس عليه، فهم أعمامه أن يؤخروه عنه فينهاهم عبد المطلب قائلا: دعوا ابني، إنه ليُؤنِس مُلْكا، ثم يجلسه ويمسح ظهره بيده.
وكان عبد المطلب يقربه منه ويدنيه، ويدخله عليه إذا خلا، وإذا نام، ولا يأكل طعاما إلا ويقول: "علي بابني" فيؤتى به إليه، وكان يوصي به حاضنته بعد وفاة أمه بركة أم أيمن ويؤكد على رعايته وملاحظته، فكانت كذلك في الرفق به والشفقة عليه وملاحظة شؤونه، ولهذا كان المعصوم r يذكر لها ذلك، فروي عنه قوله: «هي أمي بعد أمي».
ولما بلغ نبينا r الثامنة من عمره حضرت الوفاة جده عبد المطلب، فأكد وصيته بنبينا محمد r ، وعهد إلى عمه أبي طالب بكفالته وحياطته، ولما مات عبد المطلب وجد المصطفى r لفقده حزنا عظيما كقدر ما كان يحبه، جاء في رواية لابن سعد في "الطبقات" أن رسول الله r سئل أتذكر موت عبد المطلب؟ قال: "نعم، أنا يومئذ ابن ثماني سنين".
وقالت أم أيمن: رأيت رسول الله r يومئذ يبكي خلف سرير عبد المطلب.
ثم انتقلت كفالة رسولنا r لعمه أبي طالب الذي كان وقتها أشرف قريش وأعظمها مكانة وأكرمها نفسا، برغم أنه لم يكن أكبر بني عبد المطلب سنا ولا أكثرهم مالا، فعظمت مكانة المصطفى عند أبي طالب وأحبه حبا شديدا، وكان يحرص غاية الحرص على ملازمته ويخصه بأشياء كثيرة من قبيل التكريم والتقدير، وقد لاحظ أبو طالب بركات حلول لرسول الله r في معيشته وزاده وطعامه.
ولم تزل دلائل الشأن العظيم للنبي r تبدو لأبي طالب يوما بعد يوم، ومن ذلك ما كان عندما سافر معه إلى الشام حتى وصلوا بصرى، فأخبرهم راهب هنالك يقال له: بحيرى بما توسمه من مخايل النبوة والشأن العظيم لرسول الله r ، وما كان من إظلال السحاب له من الشمس، وغير ذلك من الدلائل، ونصحه أن لا يذهب به إلى الشام خوفا عليه من اليهود ([33]).

__________________
حسام السعيد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس