العودة   منتديات همس المصريين > :: همس القسم الإسلامى :: > همس الحبيب المصطفى وأصحابه الأبرار

همس الحبيب المصطفى وأصحابه الأبرار هنا كل ما يخص حياة حبيبنا الرسول الكريم وسيرته وأصحابه الأبرار وباقى الأنبياء والرسل

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-06-2012, 11:35 PM   #1
♣ صاحبة همس المصريين ♣
 
الصورة الرمزية د/ إلهام
 
تاريخ التسجيل: Wed Jun 2011
المشاركات: 34,756
معدل تقييم المستوى: 20
د/ إلهام has a reputation beyond reputeد/ إلهام has a reputation beyond reputeد/ إلهام has a reputation beyond reputeد/ إلهام has a reputation beyond reputeد/ إلهام has a reputation beyond reputeد/ إلهام has a reputation beyond reputeد/ إلهام has a reputation beyond reputeد/ إلهام has a reputation beyond reputeد/ إلهام has a reputation beyond reputeد/ إلهام has a reputation beyond reputeد/ إلهام has a reputation beyond repute

اوسمتي

افتراضي موت رسول الله , وفاة الحبيب المصطفى .. منتديات همس المصريين

موت رسول الله , وفاة الحبيب المصطفى .. منتديات همس المصريين

والله، إني لمتحير كيف أدخل إلى هذا الموضوع، ومن أنا أمام هذا الموضوع المدهش المحير المبكي، إنه موضوعُ وفاته صلى الله عليه وسلم، إنه موضوع انتقاله إلى الرفيق الأعلى صلى الله عليه وسلم، وإني لأتقاصر حقارة أن أتحدث في هذا الموضوع، ولكن لا بد من حديث يذكر بذاك الحدث الجلل، كل حدثِ بعد وفاتِه هين، سهل، بسيط، يسير، قال الله عز وجلّ: ((إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ)) إطلاق لا تقييد فيه، وعموم لا خصوص فيه ((كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ)).
فليبنِ أهل البغي، وأهل العدوان، بروجاً مشيدة، وليغلقوا على أنفسهم آلافَ الأبواب، فوالله الذي لا إله غيره، ليموتن، ولو كانوا في بروج حصينة.
الموت، وما أدراك ما الموت؟.
أمر خطير مذهل، سماه الله مصيبة فقال: ((إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ))، وكان السلف إذا آنسوا في قلوبهم قسوة تذكروا الموت، والقدوم على الله، وما بعد ذلك من مشاهد ومواقف، فكانوا يرتعدون خوفاً، وخشية من الله الواحد الأحد، وأثر عن ابن سيرين رحمه الله، أنه إذا ذكر الموت، وسأله سائل قال: والله، ما أدري ماذا تقول!! طاش عقلي من ذكر الموت، قال الحسن البصري رحمه الله: فضح الموتُ الدنيا فلم يدع لذي لب فرحاً، فإذا كان الموت مصيبة بغضِّ النظر عن قيمة الميت وشأنه، فما بالكم يا أجيال محمد صلى الله عليه وسلم، ويا أتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، بحادث وفاته صلى الله عليه وسلم.
بلغ الرسالة، وجاهد في الله، وقام الليالي، وقال الله له: ((يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ))، فوالله، ما ارتاح ثلاثاً وعشرين سنة، قام فما ارتاح، ووقف فما جلس، وسهر الليالي الطوال، باكياً، خاشعاً، متضرعاً لله، رب العالمين، عانى الجلاد، والجهاد في تزكية العباد، ونصحهم، ودعوتهم إلى الله، عز وجل.
ولما وقف بـعرفة حوله: أحبابه، وأنصاره، وأصحابه، كلهم يرى فيه القدوة والأسوة، وكلهم يرى فيه الأب الشفيق، والأخ العطوف، والنبي المبلغ الناصح، والصادق الأمين الذي أنقذهم الله به من الوثنية، وقف هناك في عرفات ، وأنزل الله عليه سبحانه وتعالى قوله: ((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا))، فتلاها على الناس، وعلّم الناس أن فحوى الخطاب، ولسانَ الحال، يقول: إنك ميت فتأهب، وإنك سترتحل فتجهز، وإنك منتقل فودع أصحابك، فقال صلى الله عليه وسلم بعدها: (يا أيها الناس لتأخذوا عني مناسككم لعلّي لا أراكم بعد عامي هذا) (1) . ووالله، ما رآهم بعد هذا العام، فظهر البكاء، وهم واقفون في الصعيد، وإذا دموع الحزن تسيل أنهاراً.

إذا اشتبكت دموعٌ في خدودٍ تبين من بكى ممن تباكى

وعاد صلى الله عليه وسلم، قال ابن كثير رحمه الله: استقر الركاب الشريف سنة إحدى عشرة في المدينة عائداً من الحج الأكبر، عائداً من حجة الوداع، عائداً من موادعة الناس، عائداً من ذاك المؤتمر الذي استشهد فيه صلى الله عليه وسلم، واستشهد الناس على أنه بلغ الرسالة فما كتم شيئاً، وأدى الأمانة، فما ضن بشيءٍ، فنشهد بالله أنه بلغ الرسالة، وتركنا على بيضاء، نقية كالشمس، واضحة كالنهار، لا يزيغ عنها إلا هالك.
عاد صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، وأخبره الله الخبر، وعلم أن ((كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ))، ((كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ))، ويقول جلّ ذكره: ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ الله شَيْئًا وَسَيَجْزِي الله الشَّاكِرِينَ)).
ويوم الخميس، وما أدراك ما يوم الخميس؟ يوم زار المرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما ذكر هذا اليوم شيخ الإسلام ابن تيمية قال: بأبي هو وأمي، زاره المرض يوم الخميس، نعم، بأبي هو وأمي، ولكنه قضاء الله الذي لا مفر منه، فقد قضى ربنا تعالى بأن يذوق كأس الموت، ويعاني سكراته، كل ذلك رفعاً لدرجاته عند مولاه.
ذكر ابن كثير بسند جيد قال: كان ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه يقلب الحصى في المسجد الحرام ويقول: يوم الخميس وما يوم الخميس وهو يبكي، يوم زار المرض فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فديناك من حِب وإن زادنا كرباً فإنك كنت الشمس في الشرق أو غرباً

فلذلك كان الصحابة يُفَدونه صلى الله عليه وسلم.
في صحيح مسلم (1) عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها، قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بقيع الغرقد ، حيث الأموات، حيث: أحبابنا، وأجدادنا، وآباؤنا، وإخواننا، الذين نمر عليهم صباح مساء، ومن لم يعتبر بالأموات والمقابر فبماذا يعتبر؟ ومن لم يعتبر بمن يودع ومن يحمل إلى المقبرة صباح مساء فبماذا يتعظ؟

إلى الله نشكوا قسوة في قلوبنا وفي كلِّ يوم واعظُ الموت يندبُ

هو الموت ما منه ملاذ ومهرب إذا حُط ذا عن نعشه ذاك يركب

نؤمل آمالاً ونرجو نتاجها وعل الردى مما نُرَجيه أقرب

ونبني القصور المشمخرات في الهواء وفي علمنا أنا نموت وتخرب

وعاد صلى الله عليه وسلم وهو معصوبُ الرأس، فتقول عائشة ، وقد صدعت، رضي الله عنها وأرضاها؛ وارأساه، قال صلى الله عليه وسلم: (بل أنا يا عائشة وارأساه) وصدق صلى الله عليه وسلم فإن صداع الموت قد وصل إلى رأسه الشريف، ثم قال صلى الله عليه وسلم -وهذه رواية البخاري -: (والله لولا أن يتمنى متمنِ أو يدعي مدعي لأرسلت إلى أبيك وإلى أخيك فأكتب لهم كتاباً) (1) ، يعني: أبا بكر ، ويعني: ابنه عبد الرحمن ؛ يكتب لهم كتاب الوصاية، والله أعلم بذاك الكتاب.
ثم أحس صلى الله عليه وسلم بدنوِّ الأجل، وهذا في المسند بسند حسن عن أبي مويهبة ، قال: قال صلى الله عليه وسلم في الليل الدامس: (يا أبا مويهبة إني قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع، فانطلق معي فانطلقت معه، فلما وقف بين أظهرهم، قال: السّلام عليكم يا أهل المقابر، ليهنأ لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه ثم أقبل على أبي مويهبة ، فقال: يا أبا مويهبة ، إني فد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، فخيّرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة قال أبو مويهبة : بأبي أنت وأمي، يا رسول الله، خذ مفاتيح الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، قال: لا والله يا أبا مويهبة لقد اخترت لقاء ربي والجنة) (1) .
وعند البخاري من حديث عقبة بن عامر قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما وصل الشهداء في أحد، فسلّم عليهم سلام المودع، ثم قال: (يا أيها الناس! والله ما أخاف عليكم الفقر، ولكن أخاف عليكم أن تفتح عليكم الدنيا فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم) (1) . وصدق صلى الله عليه وسلم، فوالله، ما قطعت أعناقنا إلا الدنيا، ولا أفسدنا إلا الدنيا، ولا ذهب بأخلاقنا وعاداتنا إلا الدنيا.
فالشاهد: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم مع كرامته، وفضله، كان يشدّد عليه في المرض والحمى، لكن عند الترمذي وغيره، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط) (1) .
وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يصيب المؤمن من همِّ ولا غمِّ ولا حزن ولا مرض حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله به من خطاياه) (1) ، ويقول صلى الله عليه وسلم كما في الحديث: (إنَّ المؤمن كالخامةِ من الزرع لا تزال الريح تفيئها يمنة ويسرى، وأما المنافق كالأرزة لا تزال قائمة منتصبة حتى يكون انجعافها مرة واحدة) (1) . المؤمن يبتلى، المؤمن يُصاب، المؤمن يمرض، المؤمن يجوع، لكن المنافق: يسمن، ويترك، حتى تأتيه مصيبة تقصم ظهره مرة واحدة.
واشتداد المرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه: أعظم العبرة، لمن يعتمدون على أنسابهم وقرابتهم، فهذا نبيُّ الله وخليله صلى الله عليه وسلم ومع ذلك كما جاء في الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوعك -أي: في مرض موته- فمسستُه بيدي بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إنك توعك وعكاً وشديداً.
قال: نعم إني أوعك كما يوعك رجلان منكم.
قلت: ذلك بأن لك الأجر مرتين، يا رسول الله، قال: نعم ثم قال: ما من مؤمن يصيبه هم أو غم أو حزن أو مرض حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه) (1) . ثم خرج، بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم على الناس. فكان صلى الله عليه وسلم يوعك وعكاً شديداً، كل ذلك رفعة في درجاته، وتكميلاً لفضائله صلى الله عليه وسلم.
يقول ابن عباس من حديث عبيد الله بن عبد الله بن عتبة في الصحيحين : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس، وهو عاصب على رأسه بعصابة دسماء، قيل: كثيفة، وقيل: سوداء، وهو بين علي وبين العباس ، رضي الله عنهما، وأقدامه من المرض تخط في الأرض، فأجلساه على المنبر، فلما رأى الناس قال: (يا أيها الناس، السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته) زاد البيهقي كما قال ابن كثير : (يا أيها الناس إني ملاقٍ ربي، وسوف أخبره بما أجبتموني به، يا أيها الناس من سببته، أو شتمته، أو أخذت من ماله، فليقتص مني الآن، قبل أن لا يكون درهم ولا دينار) قال أنس : فنظرت إلى الناس كل واضع رأسه بين رجليه من البكاء، ثم قال صلى الله عليه وسلم: (يا أيها الناس! اللهم من سببته أو شتمته أو أخذت من مالِه أو ضربته فاجعلها رحمة عندك) (1) . وعند أبي داود : (إني أخذت عند ربي عهداً أيما مسلم شتمته أو سببته أو ضربته أن يجعلها كفارة له ورحمة) فاستبشر الناس بهذا وأخذوا يقولون: فديناك بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله، وعاد إلى فراشه، وكان يسمع الأذان طيلة تلك الأيام من يوم الخميس إلى يوم الإثنين من شهر ربيع الأول، فكان صوت الأذان حبيباً إلى قلبه، أحب الأصوات إلى أذنيه صوت الله أكبر، يوم يردده بلال صافياً صادقاً قوياً يؤثر في القلوب ويسافر بها إلى علام الغيوب يردد لا إله إلا الله، فتحيا به الأنفس، لأنها أنفس طاهرة لا تحيا إلا بذكر الله وشكره.
كان صلى الله عليه وسلم كما عند أبي داود يقول: (أرحنا بالصلاة يا بلال) (1) .

فقل لبلال العزم من قلب صادق أرحنا بها إن كنت حقاً مصليا

توضأ بماء التوبة اليوم مخلصاً لتلقى به أبواب الجنان الثمانيا

وفقد صلى الله عليه وسلم أُنس الجماعة، وجمال الصفوف، يوم تسجد وراءه صفوف المسلمين، يوم يركع وراءه أبو بكر و عمر و عثمان و علي ، والسادة القادة، الشهداء العلماء الأبرار، فقام صلى الله عليه وسلم ليصلي وآذنه بلال بالصلاة، فقام صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين فقال: (ضعوا لي ماءً في المخضب) (1) -وهو المغتسل- فاغتسل صلى الله عليه وسلم فقام ليتوضأ فما استطاع فقال: (ضعوا لي ماءً في المخضب) فلما اغتسل قام ليتوضأ، فما استطاع، وكان يسقط على فراشه، بأبي هو وأمي، فقال في آخر مرة، وهي: الخامسة، كما في الصحيحين : (مروا أبا بكر فليصلّ بالناس، مروا أبا بكر فليصلّ بالناس) وانبعث الصوت إلى المسجد، وأتى بلال !، فقالوا: يا بلال ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: مُر أبا بكر فليصلي بالناس، فبكى بلال ، وقال: بأبي وأمي، يا رسول الله، يا أبا بكر ، صل بالناس.
وورد بسند جيد، أن عمر صلى فريضة، والرسول صلى الله عليه وسلم مريض، فلما سمع صوته قال: (لا، يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر ، يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر ، يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر) (1) ، فأين دعاة البدعة الذين يقولون: إن أبا بكر ليس الموصى إليه، وأن الوصية كانت إلى غيره، لقد رضيه صلى الله عليه وسلم لديننا وصلاتنا، أفلا نرضاه لديننا ومعاملاتنا؟ كذب الأدعياء وكذب الدجاجلة، إن هو إلا زور افتروه ودجلوا به على الأمة.
وتنشّط صلى الله عليه وسلم ذات غداة في صلاة الظهر، ووجد من نفسه خِفةً، فقام ليصلي مع الناس، وقام صلى الله عليه وسلم معتمداً على الفضل، ورجل آخر، حتى أُدخل المسجد صلى الله عليه وسلم، فوضع عمر يسار أبي بكر ، وكان يصلي جالساً صلى الله عليه وسلم، يكبر فيكبر أبو بكر بتكبيرة، ويسجد فيسجد أبو بكر لسجوده، والناس يسجدون بعد أبي بكر ، فلما سلم صلى الله عليه وسلم رقى المنبر، فلما رقى كشف عن وجهه الشريف الذي ضمر من الحمى، واصفرّ بالمرض، ورق بالألم، فقال للناس: (يا أيها الناس! يا أيها الناس! إني أنهاكم عن الشرك، فلا تشركوا بالله) كما أوردها ابن كثير .
ثم قال، وهو على المنبر، بل كرر هذا الحديث ثلاث مرات: (لعن الله اليهود و النصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) (1) ، يحذر من الشرك.
ثم قال: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد) (1) ، ثم أوصاهم بالتوحيد، فكان حرصه على التوحيد في أول الطريق، وفي وسط الطريق، وفي آخر الطريق، ثم عاد صلى الله عليه وسلم.
وفي آخر اليوم يوم الإثنين، وما أدراك ما يوم الإثنين، يوم قبض فيه رسول البشرية، ومعلم الإنسانية، وهادي البرية، يوم توفاه الله إليه ليكرمه جزاء ما قدم للأمة، يوم قبضه الله، قال أنس : [ظننا أن القيامة قامت يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم].
أي مصيبة أكبر من مصيبة وفاته على الأمة؟ أي حدث وقع في تاريخ الإنسان يوم توفي خير إنسان وأفضل إنسان صلى الله عليه وسلم؟ ولكن نقول الآن وبعد الآن إلى يوم نلقي الرحمن: إنا لله وإنا إليه راجعون ((الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)).
قال أنس رضي الله عنه وأرضاه، كما في الصحيح: [كشف صلى الله عليه وسلم لنا ونحن في الصلاة، فنظرنا إلى وجهه وهو في حجرة عائشة وكأن وجهه ورقة مصحف، فلما رآنا صفوفاً كدنا نفتتن].
قال أهل العلم: نفتتن -يعني: استبشاراً وفرحاً- ظنوه عاد إلى صحته، وظنوه قد تشافى من مرضه، ولكنه يبتسم؛ لأنه رأى الصفوف منتظمة، ورأى الدعوة حية، ورأى الرسالة منتصرة، ورأى لا إله إلا الله مرتفعة، ورأى أبا بكر يصلي بالناس، ورأى دعوة التوحيد قد ضربت بجذورها في الجزيرة، فحقّ له أن يتبسم.
يتبسم؛ لأنه ترك جيلاً مؤمناً، وترك كتيبة موحدة، وترك جيشاً يوالي الله، ويعادي لله، ويموت من أجل الله، وردّ الستار بعد أن اطمأن على أمته، ولكنه تبسم أخير، ولكنه منظر أخير، ما بعده إلا الموت، ثم أتى صلى الله عليه وسلم فمرضته عائشة ، رضي الله عنها وأرضاها.
جلس صلى الله عليه وسلم، ووضع رأسه الشريف في حجرها، ويا لسعادة الزوجة بزوجها، ويا لسعادة الحبيبة بحبيبها، ويا لفرحتها بمؤنسها، وبزوجها في آخر عمره، وهو يلصق رأسه بحجرها، رضي الله عنها وأرضاها.
كانت تقول: [توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سحري ونحري].
فأخذت تتلو عليه القرآن، تعوذه بالمعوذات؛ لأنه أصبح لا يستطيع أن يقرأ أو يتلو، اشتد عليه الكرب صلى الله عليه وسلم، وفي تلك الفترة، دخل عليه أسامة بن زيد ، أسامة : حبه، وابن حبه، فما استطاع صلى الله عليه وسلم أن يكلمه، وكان قد جهز له جيشاً يرسله إلى الجهاد، ورفع صلى الله عليه وسلم يديه وما سمعوا له كلاما -كما في السيرة- يرفعهما هكذا ثم يردهما.
قال أسامة: فعلمت أنه يدعو لي صلى الله عليه وسلم.
ودخل عبد الرحمن بن أبي بكر ، والرسول صلى الله عليه وسلم في سكرات الموت، ومعه سواك من أراك يستاك به، وهو: صهره ورحيمه، فألقى صلى الله عليه وسلم نظره وشخص نظره إلى السواك؛ لأنه طيب، فمه طيب، ونَفَسُه طيب، وكلامه طيب، وحياته طيبة، ومماته طيب، قالت عائشة ، رضي الله عنها وأرضاها: [فعلمت أنه يريد السواك، فأخذتُه، فقضمتُه، ثم غسلتُه، ودفعتُه إليه صلى الله عليه وسلم، فاستاك كأشد ما يستاك في الحياة] صلى الله عليه وسلم، وأخذ يدير السواك بقوة ليلقى الله طيباً، فقد كان صلى الله عليه وسلم شديد المحبة للسواك، فأخذ يستاك به كأشد ما يكون، وكأنه يودع هذه السنة الطيبة.
((يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي)).
ثم أعاد صلى الله عليه وسلم قضية التوحيد، التي ما فتر عن بيانها، والدعوة إليها طوال مدة بلاغه، فكان وهو في سكرات الموت، كان يأخذ خميصة فيبلها بالماء -كما في الصحيح- ويجعلها على وجهه، ويقول: (لا إله إلا الله إن للموت لسكرات) وفي السنن: (لا إله إلا الله اللهم هون علي سكرات الموت) ثم قال صلى الله عليه وسلم: (لعن الله اليهود و النصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) وعند مسلم: (قاتل الله اليهود و النصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، فلا تتخذوا قبري مسجداً فإني أنهاكم عن ذلك) فهو يوصي بالتوحيد صلى الله عليه وسلم.
ثم من كمال إشفاقه أوصى بالصلاة في سكرات الموت، أين الذين يوصون بالقصور والفلل؟ أين الذين يوصون بالأموال والمناصب؟ أين الذين يوزعون التركات؟ ها هو سيد البشر وخير البشر صلى الله عليه وسلم يوصي بالصلاة ويقول وهو في الرمق الأخير: (الله الله في الصلاة، وما ملكت أيمانكم) (1) .
إنا لله وإنا إليه راجعون، نشهد بالله شهادة ندخرها ليوم العرض على الله: أنه ما مات، إلا ودلّنا على كل خير، وحذرنا من كل شر، نشهد أنه بلغ الرسالة، ونشهد أنه أدّى الأمانة.
وتركنا على المحجة البيضاء، فلا يزيغ عنها إلا هالك، فعليك، يا عبد الله، أن تتبع هذا الرسول صلى الله عليه وسلم في أقواله، وأفعاله، فاتباعه: نجاة، ومخالفته فتنة وهلاك، وعليك أن تتجهز لذلك المصرع، الذي لو نجا منه أحد لنجا منه صلى الله عليه وسلم.
ومات صلى الله عليه وسلم، وبقي جثمانه الشريف في غرفة عائشة ، رضي الله عنها وأرضاها، ولكن ماذا كان حال الصحابة رضوان الله عليهم، تجاه هذه المصيبة العظمى والبلية الكبرى؟

فدى لك من يقصر عن مداك فما شهم إذاً إلا فداك

أروح وقد ختمتُ على فؤادي بحبك أن يحل به سواك

إذا اشتبكت دموع في خدودٍ تبين من بكى ممن تباكى

وقف الصحابة في موقف لا يعلمه إلا الله، وفي دهشة، لا يعلمها إلا الحي القيوم، بعضهم كذب الخبر، ولم يصدق، وبعضهم دُهش فلم يتكلم، كل ذلك لشدة الخطب وهول الأمر.

طوى الجزيرة حتى جاءني خبر فزعتُ فيه بآمالي إلى الكذب

حتى إذا لم يدع لي صدقه كذباً شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي

وقفوا حول مسجده صلى الله عليه وسلم، وأغلق بابه الشريف على جثمانه، وبقيت عائشة مع النساء تبكي، رضي الله عنها وأرضاها، أما السكك فقد امتلأت بالبكاء والعويل والنحيب، وأما عمر رضي الله عنه وأرضاه، فوقف عند المنبر وسل سيف الإخلاص وسيف الصدق، الذي نصر به دين الله، وقال: [يا أيها الناس، منَ كان يظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات، أو يقول بذلك ضربت عنقه بهذا السيف].
وأما أبو بكر ، فكان غائباً في مسكن له بـالسنح ، وهو موضع بعوالي المدينة ، فأتى على فرس له، ما يظنّ أن رسول الله يُتوفى ذاك اليوم، فسمع الخبر فأتى على فرسه، وقد ثبته الله يوم يثبت أهل طاعته، وقد سدده الله يوم يسدد أهل التوحيد، فأتى بسكينة ووقار، كان رجل الموقف، ورجل الساعة، فأتى وإذا الناس لا يكفون عن البكاء والنحيب.
فقال: ماذا حدث؟ قالوا: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم! مات رسول الله!!
فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، إنها كلمة الصابرين، حين يصابون بصدمات في الحياة، إنها كلمة الأخيار حينما تحل بهم الكوارث من أقدار الله وقضائه، ثم استأذن، ودخل على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مُسَجى، فكشف الغطاء عن وجهه، ثم قبله، وبكى عليه، وسالت عيناه على وجه الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم قال: [بأبي أنت وأمي، يا رسول الله، ما أطيبك حيّاً، وما أطيبك ميتاً، أما الموتة التي كُتبت عليك فقد ذقتها، ولكن، والله، لا تموت بعدها أبداً].
ثم خرج رضي الله عنه وأرضاه إلى الناس وعصاه بيده فأسكتهم وقال لـعمر : [يا ابن الخطاب اسكت]، فسكت عمر ، رضي الله عنه، واشرأبت الأعناق إلى الصديق الملهم، إلى هذا الإمام الموفق، إلى هذا الخليفة الراشد، وهو يتخطى الصفوف، حتى صعد المنبر، فاستفتح خطابه بحمد الله، والثناء على الله، ثم قال: [يا أيها الناس، من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله، فإن الله حي لا يموت، ثم قرأ: ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ الله شَيْئًا وَسَيَجْزِي الله الشَّاكِرِينَ))]، فكأن الناس سمعوها لأول مرة، وكأنها ما مرت على أذهانهم من قبل، ثم عاد رضي الله عنه وأرضاه. أما الصحابة، رضوان الله عليهم، فقد أصيبوا بمصيبة في الصميم.

كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر فليس لعين لم يفض ماؤها عذر

ثوى طاهر الأردان لم تبق بقعة غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبر

عاد الصحابة، رضوان الله عليهم وأرضاهم، كلهم يتلمح مصلاه صلى الله عليه وسلم، كلهم ينظر إلى مسجده ومنبره، إلى بيوته، وقد أقفرت، إلى مجلسه، إلى ذكريات كلامه، فقد فقدوا نبيهم، وحبيبهم في لحظة واحدة، فلم يعودوا يرونه أبداً!!.
قال جابر كما صح عنه: [ما دفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونفضنا أيدينا من تراب قبره حتى أنكرنا قلوبنا].
وذكر بعض أهل العلم: أن عثمان ، رضي الله عنه وأرضاه، مر به عمر بن الخطاب رضي الله عنه فسلّم عليه بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم فلم يرد، قال عثمان بن عفان ، رضي الله عنه: [توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحزن عليه رجال من أصحابه حتى كاد بعضهم يوسوس؟
قال: فكنت ممن حزن عليه، فبينا أنا جالس في أطم من آطام المدينة -وقد بويع أبو بكر - إذ مرّ بي عمر ، فسلّم عليّ، فلم أشعر به لما بي من الحزن].
وفي الصحيحين من حديث أنس : قال أبو بكر لـعمر ، رضي الله عنه وأرضاه: [يا عمر، اذهب بنا إلى أم أيمن نزورها بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم]، إنه التواضع من خليفة المسلمين، إنه التمسك بالسنة، والحرص عليها، فذهبا رضوان الله عليهما، فلما وصلا إلى أم أيمن بكت، فقال: [ما يبكيك يا أم أيمن ؟] قالت: [أبكي على رسول الله صلى الله عليه وسلم].
قال: [أما تعلمين أن ما عند الله خير لرسوله صلى الله عليه وسلم، قالت: والله، إني أعلم ذلك، ولكن أبكي على أن الوحي قد انقطع من السماء]، فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان رضوان الله عليهم.
وأما عن كيفية استخلاف أبي بكر ، رضي الله عنه، فقد ذكر العلماء أن البيعة تمت قبل أن يدفن صلى الله عليه وسلم، وإذا بضجة في سقيفة بني ساعدة، وسمع الخبر أبو بكر ، و عمر ، و أبو عبيدة ، وإذا الأنصار قد اجتمعوا يتشاورون في الخلافة، فذهب الثلاثة إليهم، قال عمر : [وقد زوّرت كلاماً في صدري لأقوله؛ لأن أبا بكر كان مشغولاً، فأسكتني أبو بكر، ثم تكلم فوالله ما ترك كلمة كنت زوّرتها -أي: جهزتها- إلا جاء بأحسن منها].
فقال، رضي الله عنه وأرضاه: [يا معشر الأنصار، آويتم، ونصرتم، وكفيتم، وواسيتم، فجزاكم الله عن الإسلام، وعن المسلمين خير الجزاء، والله ما مثلكم ومثلنا إلا كما قال طفيل الغنوي:

جزى الله عنا جعفراً حيث أشرفت بنا نعلنا في الشارفين فظلت

هم خالطونا بالنفوس وألجأوا إلى غرفات أدفأت وأظلتِ
]
فبايعوه بالخلافة، وعادوا إلى جثمان الحبيب صلى الله عليه وسلم، فتشاوروا في دفنه واختلفوا، أين يدفنونه صلى الله عليه وسلم، فلما اختلفوا، قال أبو بكر : يا أيها الناس، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما مات نبي إلا دفن حيث يقبض) (1) .
في المكان الذي قبض فيه، ولكن قبل الدفن، كان هناك خلاف أيضاً حول غسله صلى الله عليه وسلم، وكان للعباس و للفضل ولـعلي شرف تغسيله صلى الله عليه وسلم.
قالت عائشة رضي الله عنها: [لما أرادوا غسل النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: ما ندري أنجرده كما نجرد موتانا، أم نغسله، وعليه ثيابه؟ فلما اختلفوا، ألقى الله عليهم النوم، حتى ما منهم رجل، إلا وذقنه في صدره، فكلّمهم مكلّم من ناحية البيت لا يدرون من هو: أن اغسلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليه ثيابه] (1) .
فغسلوه من فوق ثيابه طيباً مباركاً، يصبون الماء فوق القميص، ويدلكون بالقميص دون أيديهم.
وأما الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم، فقد أجمع العلماء أنَ المسلمين صلّوا عليه فرادى بغير إمام، قال الحاكم أبو أحمد: فكان أولهم عليه صلاة: العباس عمه، ثم بنو هاشم، ثم المهاجرون، ثم الأنصار، ثم سائر الناس، فلما فرغ الرجال صلى الصبيان ثم النساء.
فصلى الله عليه وسلم ما دامت السموات والأرض، وصلى الله عليه وسلم ما دام في الأرض إسلام ومسلمون، و صلى الله عليه وسلم ما تعاقب الليل والنهار، وما فاح شذا الأزهار، وما تدفقت مياه الأنهار، جزاء ما قدم للأمة، فإنه صح عنه صلى الله عليه وسلم من حديث أوس بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة وليلة الجمعة، فإن صلاتكم معروضة علي، قالوا: يا رسول الله، كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ -أي: بليت-، قال: إن الله حرم على الأرض أن تكل أجساد الأنبياء) (1) . فجسده في قبره: سليم صلى الله عليه وسلم، ولكن روحه عند الله، ولكنه لا يملك في قبره ضراً، ولا نفعاً، ولا موتاً، ولا حياة، ولا نشوراً، لا يطلب منه الدعاء، ولا يتوسل به، وهو في قبره، ولا يستشفع به بعد موته في قبره، ولا ترفع إليه الحوائج ممن يأتي إلى قبره؛ لأنه نهى عن ذلك أشد النهي، فهو في قبره صلى الله عليه وسلم لم تأكل الأرض جسده الشريف صلى الله عليه وسلم.
وذكر الشوكاني : أن من صلى عليه صلى الله عليه وسلم يبلغون سبعة وثلاثين ألفاً من الرجال والنساء والأطفال، ومن المهاجرين والأنصار، ما كان لهم إمام يصلي بهم كما ذكرنا، بل صلى كل إنسان منهم على حدة.
ثم وُضع في قبره صلى الله عليه وسلم وردّ عليه التراب، ودفن كما يدفن الإنسان، ما ادخر صلى الله عليه وسلم درهماً ولا ديناراً، ولا عقاراً ولا قصوراً، ولا مناصب، وإنما ذهب كما أتى، ذهب سليم اليد، أبيض الوجه، طاهر السريرة، ولكن خلف ديناً خالداً، وخلف رسالة قيمة، مات الداعية، ولكن ما ماتت الدعوة، مات الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن ما ماتت الرسالة، مات البشير النذير، ولكن ما ماتت البشارة والنذارة، ترك لنا، والله، تراثاً أيما تراث، قرآناً حكيماً، لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، وسنة طاهرة من معصوم، فيها صلاح العبد في الدنيا وفي الآخرة، ما ينفعه عند الواحد القهار، هذا خيرة خلق الله، وهذا صفوة عباد الله، ذهب، والله، وما تلبث منها بشيء، يمر عليه الشهر بعد الشهر، ولا يوقد في بيته نار، ويمر عليه ثلاثة أيام، وهو في جوعه صلى الله عليه وسلم، فالله المستعان.
ذهب صلى الله عليه وسلم، وبقي بيته، كما هو من طين، وبقيت بعض الدراهم أنفقت في الصدقات، وفي سبيل الله، وأتى أبو بكر ، وقال لقرابته ولبناته صلى الله عليه وسلم لما طلبوا منه الميراث قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنا لا نورث ما تركناه صدقة) (1) .
فما ترك صلى الله عليه وسلم شيئاً، ولكن ترك هذا الدين العظيم، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وحسبنا الله على كل ما يصيبنا.

وإذا أتتك بلية تشقى بها فاذكر مصابك بالنبي محمد

إذا مات ابنك، فاعلم أن ابنك لا يكون أحب لقلبك -إن كنت مؤمناً- من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن مات أبوك، وأمك، أو قريبك، وصفيك، فاعلم أنهم لا يعادلون ذرة من ميزان الحب له صلى الله عليه وسلم، فاذكر أنه مات وأنه صلى الله عليه وسلم عند ربه في مقام أمين وفي منزلة عالية رفيعة.
وسوف يشهد علينا صلى الله عليه وسلم يوم القيامة كما قال تعالى: ((فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا)).
فيا من أراد العبرة من وفاته صلى الله عليه وسلم، أعظم عبرة أن تتجه، وأن تستقيم على مبدأ لا إله إلا الله، وأعظم موعظة وأعظم نصيحة أن تأخذ تراثك وحظك من تركة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال أبو هريرة لأهل السوق وهم في المدينة : [يا أهل السوق تتبايعون بالدرهم والدينار، وميراث محمد صلى الله عليه وسلم يقسم في المسجد، فهرعوا إلى المسجد، وتسابقوا إلى المسجد فرأوا حلقات الذكر والقرآن والحديث والفقه].
فقالوا: أين التركة، يا أبا هريرة ؟ أين الميراث، يا أبا هريرة ؟.
قال: [ثكلتكم أمهاتكم، وهل ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم درهماً أو ديناراً؟ إنما ترك العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر].
فينبغي أن تنقذ نفسك من غضب الله باتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ الله كَثِيرًا)).
والعبرة الأخرى: أن تعلم أن قضية التوحيد أخطر قضية في حياة الإنسان، كان ينادي بها صلى الله عليه وسلم قائماً، وقاعداً، وعلى جنبه، وفي حياته، وعند مماته، وكان في سكرات الموت يقول: (لعن الله اليهود و النصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) (1) . والعبرة أن الرسالة باقية، وأن هذا الدين لا يموت، قد يمرض أهله ولكنه لا يمرض لا تصيبه حمى أبداً، لأنه دين محفوظ من عند الله ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)).
وعبرة أخرى: وهي أن الدنيا تافهة وحقيرة، فعجباً لعبادها، وعجباً للساجدين لها، وعجباً لمن يركع عند أبوابها، أما اتعظوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، أما أخذوا درساً من رسالته، أما سمعوا ماذا فعل يوم ما ترك إلا الجميل والعمل الصالح؟!
لا نقول للناس: اتركوا الأموال، واخرجوا من القصور، ولا تركبوا السيارات، ولكن نقول: اسكنوا في القصور، واجمعوا الأموال، واركبوا السيارات، ولكن لا تنسوا نصيبكم من الحي القيوم، اذكروا الحفرة الضيقة، اذكروا لقاءكم عند الله، يوم تأتون حفاة عراة غرلاً بهماً، اذكروا يوم يقول: ((وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ)).

ولدتك أمك باكياً مستصرخاً والناس حولك يضحكون سرورا

فاعمل لنفسِك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسروراً

وعبرة أخرى: أن المسلم لا يهمه، ولا يشغله عن الله شاغل، ومن أشغله عن الله شاغل، أشغله الله، وطبع الله على قلبه، وأنساه ذكره، فالرسول صلى الله عليه وسلم على كثرة أعماله وأشغاله، وعلى كثرة ما تحمله من مشاق وصعاب مما تنوء عن حملة الجبال الراسيات، ما نسي الله لحظة واحدة، حتى في سكرات الموت يقول: (لا إله إلا الله) ويوصي بحقوق الله فيقول: (الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم) فالله الله في ذكره سبحانه وتعالى.
وعبرة أخرى تؤخذ من سياق وفاته صلى الله عليه وسلم: أن المؤمن حقاً لا يهتز بالأحداث، لأنه يعيش لله، ويموت لله، ويجاهد في سبيل الله، فـأبو بكر ما خارت قواه، وما انهزم، وما فشل في ذاك الموقف، بل علم أنه يعبد إلهاً حياً لا يموت.
وأن كل إنسان مهما كانت كرامته، فإنه سوف يذوق الموت كما ذاقه الآخرون، فثبت في هذا الموقف، وقال مقولته الخالدة: [من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت].
وعبرة أخرى: وهي أنه ينبغي على كل مسلم أن يعلم أن له حطاً من تركة النبي صلى الله عليه وسلم، كل مسلم له سهم ونصيب من محمد صلى الله عليه وسلم، فلا تترك سهمك، فإنك إن تركته أخذه غيرك، وفاز به من هو دونك، وكنت من الخاسرين الفاشلين، فخذ حظك من هذه التركة، وخذ سهمك من هذا الميراث، لتلقى الله وأنت سعيد، يشهد لك رسول الله صلى الله عليه وسلم بحسن الاتباع وإخلاص القصد.
فأسأل الله سبحانه وتعالى أن يسقينا من حوض نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأسأله سبحانه أن يجمعنا به صلى الله عليه وسلم في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

نسينا في ودادك كل غالٍ فأنت اليوم أغلى ما لدينا

نُلامُ على محبتكم ويكفي لنا شرفاً نُلام وما علينا

ولم نلقكم لكن شوقاً يذكرنا فكيف إذا التقينا

تسلّى الناس بالدنيا وإنا لعمر الله بعدك ما سلينا

((إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا الله ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ)).
فأكثروا أيها الناس من الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم، واتبعوه ظاهراً وباطناً، واحرصوا على سنته، فإن تعظيمه حق التعظيم، وتوقيره حقَّ التوقير في التمسك بسنته، وفي الأخذ بآدابه، وفي التخلق بأخلاقه، فهذا هو الحب الصادق والاتباع الحق.
والله أعلم.


المواضيع المتشابهه:


l,j vs,g hggi < ,thm hgpfdf hglw'tn >> lkj]dhj ils hglwvddk hglwvddk hglw'tn hggi hgpfdf vs,l

د/ إلهام غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-09-2012, 11:30 AM   #2
 
الصورة الرمزية جبل عالى
 
تاريخ التسجيل: Fri Aug 2011
الدولة: القاهرة
المشاركات: 5,161
معدل تقييم المستوى: 24
جبل عالى has much to be proud ofجبل عالى has much to be proud ofجبل عالى has much to be proud ofجبل عالى has much to be proud ofجبل عالى has much to be proud ofجبل عالى has much to be proud ofجبل عالى has much to be proud ofجبل عالى has much to be proud ofجبل عالى has much to be proud ofجبل عالى has much to be proud of

اوسمتي

افتراضي رد: موت رسول الله , وفاة الحبيب المصطفى .. منتديات همس المصريين

اللهم صل وسلم وبارك عليك ياسيدى يارسول الله

بارك الله فيك للطرح الرائع

كل الشكر والتقدير

جبل عالى غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
منتديات, المصريين, المصطفى, الله, الحبيب, رسوم, وفاة


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are معطلة
Refbacks are معطلة


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc. TranZ By Almuhajir
adv helm by : llssll
الساعة الآن 08:09 PM