العودة   منتديات همس المصريين > :: همس القسم الإسلامى :: > همس الاسلامى العام > همس القرآن الكريم وتدبر أحكام التجويد

همس القرآن الكريم وتدبر أحكام التجويد تفسير القرآن , تفسير الآيات, تفسير الآية , التدبر و التفكر فى آية , قرآن كريم, تفسير آيات, أحكام التجويد والتلاوة , أحكام تجويد القرآن , أحكام تلاوة القرآن

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 08-18-2012, 01:01 AM   #1
رتبة سابقة
 
الصورة الرمزية عمدة المصريين
 
تاريخ التسجيل: Mon Aug 2012
المشاركات: 2,016
معدل تقييم المستوى: 16
عمدة المصريين is on a distinguished road

اوسمتي

درس جواهر ولآلئ سورة فاطر

جواهر ولآلئ سورة فاطر

أولاً:اسم السورة
1- سورة "فاطر"(1):
لأن هذا الاسم: مناسب لمقصودها أتم مناسبة، إذْ لا شيء يعدل ما في الجنة من تجدد الخلق، فإنه لا يؤكل منها شيء إلا عاد كما كان في الحال، ولا يراد شيء إلا وجد في أسرع وقت.
فهي: دار الإبداع والاختراع بالحقيقة.
وكذا النار... { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا} [النساء 56]
2- سورة "الملائكة"(1):
حيث إنهم يبدعون خلقاً جديداً، كل واحد منهم على صورته التي أراد الله كونه عليها، لا يزاد فيها ولا ينقص، كلما أراد الله ذلك، من غير سبب أصلاً غير إرادته المطابقة لقدرته، سبحانه.
وهم: من الكثرة على وجه لا يحاط به(2) { وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} [المدثر 31].



ثانياً : عدد آيات السورة و كلماتها و حروفها
وعدد آياتها:(3) (45) خمس وأربعون آية(1).
وعدد كلماتها: (777) سبعمائة وسبع وسبعون كلمة.
وعدد حروفها: (3130) ثلاثة آلاف ومائة وثلاثون حرفا.



ثالثاً : ترتيب السورة فى المصحف و فى النزول
أ‌- في المصحف.. بعد سورة "سبأ"، وقبل: سورة "يس".
ب‌- في النزول.. بعد: سورة "الفرقان"، وقبل: سورة "مريم".



رابعاً : سبب نزول السورة
لم نعثر على آثار تفيد في هذا الموضوع.



خامساً : مكية السورة و مدنيتها
هذه السورة: مكية



سادساً : فضل السورة
السورة: تدخل ضمن حديث وائلة بن الأسقع في فضل سور القرآن(4).
حيث إنها من المثاني.
بيد أنه من المهم أن نبنه على أن حديث كعب بن أبي، والذي فيه عن هذه السورة أن "من قرأ سورة الملائكة دعته يوم القيامة ثمانية أبواب من الجنة، أن ادخل من أي الأبواب شئت".
حديث موضوع [انظر مفاتيح سورة الفاتحة، فضل سورة الفاتحة].



سابعاً : صلة السورة بما قبلها
1- لما ذكر سبحانه وتعالى في آخر سورة "سبأ" هلاك المشركين، أعداء المؤمنين، وإنزالهم منازل العذاب في قوله تعالى { وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ...} [الآيات 51-54].
تعيين على المؤمنين حمده تعالى وشكره، كما في قوله تعالى { فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.
إذْ قال تعالى { الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ....} الآية.
2- تآخي السورتين في افتتاح كل منهما بـ {الحمد لله}.
3- تقارب السورتين في المقدار(5).



ثامناً : هدف السورة
وهدفها(2): إثبات القدرة الكاملة لله تعالى، اللازم منها: تمام القدرة على البعث، الذي عنه يكون أتم الإبقائين، إذْ هو الإبقاء بالفعل دائماً أبداً، بلا انقطاع ولا زوال، ولا اندفاع، في دار المقامة التي ذهب عنها الحزن والنصب واللغو، أو في دار الشقاوة الجامعة لجميع الأنكاد والهموم.
ولتوضيح ذلك.. تقول:
هذه السورة: هي ختام السور المفتتحة بـ (الحمد) والتي فصلت فيها ـ كما قال العلماء ـ النعم الأربع، التي هم أمهات النعم، المجموعة في (سورة الفاتحة) وهي: الإيجاد الأول، المشار إليه في (سورة الأنعام) ثم الإبقاء الأول، المشار إليه في (سورة الكهف) ثم الإيجاد الثاني، المشار إليه في (سورة سبأ)، ثم الإبقاء الثاني، المشار إليه بهذه السورة.. المفتتحة بالابتداء، الدال عليه بأنها القدرة، وأحكمها، والمفصل أمره فيها، في الحديث عن السعادة والشقاوة تفصيلاً شافياً، على أنه استوفى هذه السورة النعم



تاسعاً : تقسيم آيات السورة موضوعيا
تتكون آيات هذه السورة من: مقدمة، وأربع مجموعات، وخاتمة(6).
فالمقدمة: عبارة عن (آيتين) فقط.
وهما: الآيتان (1، 2) من السورة.
وفيهما:
توضيح قدرة الله تعالى، وتأكيد انفراده وتفرده في أمور السموات والأرض، وما فيهما، ومن فيهما.
وذلك، لتأكيد استحقاق الله تعالى وحده للحمد.
والمجموعة الأولى: عبارة عن (آيتين).
وهما: الآيتان (3، 4) من السورة.
وفيهما:
تعريف بالله تعالى، بما يذكر بنعمه، ويوصل إلى شكره.
وتأنيس للنبي صلى الله عليه وسلم وتثبيت له، إذْ ليس التكذيب من الكفار خاصاً به، فقد كذبت رسل من قبله.
وهو تأنيس: يحمل التهديد للمكذبين.
والمجموعة الثانية: عبارة عن (10) آيات
من الآية (15) حتى نهاية (14).
وفيها:
تعميق المعرفة بالله.
وتأكيد: أن وعده حق لا ريب فيه وقوعه.
وتحذير من الصوارف عن: معرفة الله تعالى، أو عن تذكر نعمه، أو عن القيام بشكره سبحانه.. من مثل: الدنيا، والشيطان، الجاه، ... إلخ.
وبيان: أن العزة ليست في مثل هذه الصوارف، بل هي في الاعتماد على الله، والركون إليه، والامتثال لتعاليمه، بالكلم الطيب والعمل الصالح.
والمجموعة الثالثة: عبارة عن (12) آية
من الآية (15) حتى نهاية الآية (26).
وفيها:
تذكير: بافتقارنا إلى الله تعالى، وأنه هو الغني الحميد.
وبيان: مبدأ "التبعة الفردية" والمسئولية الشخصية، فلا يحمل أحد ـ كما يقتضي العدل ـ وزر أحد.
وتأنيس للنبي صلى الله عليه وسلم ـ مرة أخرى ـ وتثبيت له، بتحديد مهمته، والتي أداها خير أداء، وأنه ليس بدعا ـ من دون النبيين ـ في أن يكذبه قومه.
وهو تأنيس ـ كذلك ـ يحمل التهديد للمكذبين.
والمجموعة الرابعة: عبارة عن (11) آية
من الآية (27) حتى نهاية الآية (37).
وفيها:
بيان بعض ما يعين على شكر الله تعالى من صفات، مثل: الخشية، والعلم، مع تحديد نوع هذا العلم، واتساع مجاله.
ثم تقسيم الناس بالنسبة إلى موقفهم من كتاب الله تعالى، والعمل بما فيه.
وبيان: جزاء السابقين بالخيرات، إلتزاماً بتعاليمه, وعملاً بما فيه.. وجزاء الذين كفروا واستكبروا، وكذبوا محمداً صلى الله عليه وسلم.
والخاتمة: عبارة عن (8) آيات.
من الآية (37) حتى نهاية الآية (45) وهي خاتمة آيات السورة.
وفيها:
بيان: سعة علم الله تعالى، وإنعامه علينا باستخلافه لنا، مما يستوجب ـ بالضرورة ـ الشكر له، وليس الكفر به.
مواجهة: أهل مكة الطغاة المكذبين، وتهديدهم بعاقبة الذين كفروا وكذبوا ـ مثلهم ـ من قبلهم.
بيان: سنة الله تعالى في عقاب أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهي سنة تختلف عن سنته تعالى في عقاب الأمم السابقة، وذلك لحكمة جليلة، وهي أنهم آخر الأمم... ولذلك: فسنتهم الإمهال، وليس الإهمال، والنسيان.
وهي سنة: تقتضي من العقلاء توبة لله تعالى من المواقف المخالفة المخزية، كما تقتضي شكراً على هذا الإنعام والإمهال فتحاً لباب التوبة، والإنابة.



عاشراً : أبرز موضوعات السورة
ومجمل ما اشتملت عليه السورة الكريمة من حكم وأحكام (7):
1- الأدلة على قدرة الله بإبداعه للكون وأنه المنعم المتفضل.
2- تذكير الناس بالنعم ليشكروها.
3- تثبيت فؤاد رسوله بذكر قصص المكذبين للأنبياء والمرسلين.
4- نداء الناس عامة بأن يتحلوا بالفضائل، ويتخلوا عن الرذائل، ولا يتبعوا خطوات الشيطان، وينظروا فيما أبدع الرحمن، من الآيات في الأرض والسموات.
5- ضرب الأمثال لما سلف من القسمين، وإيضاح الطائفتين المؤمنة والكافرة.
6- تقسيم المؤمنين إلى علماء محققين، وصالحين متقين، ثم تقسيمهم من حيث العمل أقساماً ثلاثة.
7- وصف عاقبة الكافرين والمؤمنين وما يلقاه كل منهما يوم القيامة.



حادى عشر : بعض الدروس المستفادة
الدرس الأول(8)
في قوله تعالى: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الآية 2]
في هذه الآية الثانية من السورة صورة من صور قدرة الله التي ختم بها الآية الأولى.
وحين تستقر هذه الصورة في قلب بشري يتم فيه تحول كامل في تصوراته ومشاعره واتجاهاته وموازينه وقيمة في هذه الحياة جميعاً.
إنها تقطعه عن شبهة كل قوة في السماوات والأرض وتصله بقوة الله.
وتيئسه من مظنة كل رحمة في السماوات والأرض، وتصله برحمة الله.
وتوصد أمامه كل باب في السماوات والأرض، وتفتح أمامه باب الله.
وتغلق في وجهه كل طريق في السماوات والأرض، وتشرع له طريقة إلى الله.
ورحمة الله تتمثل في مظاهر لا يحصيها العد؛ ويعجز الإنسان عن مجرد ملاحقتها وتسجيلها في ذات نفسه وتكوينه،وتكريمه بما كرمه؛ وفيما سخر له من حوله ومن فوقه ومن تحته؛ وفيما أنعم به عليه مما يعلمه ومما لا يعلمه وهو كثير.
ورحمة الله تتمثل في الممنوع تمثلها في الممنوح، ويجدها من يفتحها الله له في كل شيء، وفي كل وضع، وفي كل حال، وفي كل مكان.. يجدها في نفسه، وفي مشاعره؛ ويجدها فيما حوله، وحيثما كان، وكيفما كان، ولو فقد كل شيء مما يعد الناس فقده هو الحرمان.. يفتقدها من يمسكها الله عنه في كل شيء، وفي كل وضع، وفي كل حالة، وفي كل مكان، ولو وجد كل شيء مما يعده الناس علامة الوجدان والرضوان!
وما من نعمة ـ يسمك الله معها رحمته ـ حتى تنقلب هي بذاتها نقمة. وما من محنة ـ تحفها رحمة الله ـ حتى تكون هي بذاتها نعمة، ينام الإنسان على الشوك ـ مع رحمة الله ـ فإذا هو مهاد، وينام على الحرير ـ وقد أمسكت عنهـ فإذا هو شوك القتاد، ويعالج أعسر الأمور ـ برحمه الله ـ فإذا هو هوادة ويسر، ويعالج أيسر الأمور ـ وقد تخلّت رحمة الله ـ فإذا هي مشقة وعسر، ويخوض بها المخاوف والأخطار فإذا هي أمن وسلام، ويعبر بدونها المناهج والمسالك فإذا هي مهلكة وبوار!
ولا ضيق مع رحمة الله، إنما الضيق في إمساكها دون سواه، لا ضيق ولا كان صاحبها في غياهب السجن، أو في جحيم العذاب أو في شعاب الهلاك، وا وسعة مع إمساكها ولو تقلب الإنسان في أعطاف النعيم، وفي مراتع الرخاء.
فمن داخل النفس ـ برحمة الله ـ تتفجر ينابيع السعادة والرضى والطمأنينة.
ومن داخل النفس ـ مع إمساكها ـ تدب عقارب القلق والتعب والنصب والكد والمعاناة!
هذا الباب وحدة يفتح وتغلق جميع الأبواب، وتوصد جميع النوافذ، وتُسدّ جميع المسالك.. فلا عليك، فهو الفرج والفسحة واليسر والرخاء...
وهذا الباب وحدة يغلق وتفتح جميع الأبواب فما هو بنافع، وهو الضيق والكرب والشدة والقلق والعناء! هذا الفيض يفتح، ثم يضيق الرزق، ويضيق السكن، ويضيق العيش، وتخشن الحياة ويشوك المضجع.. فلا عليك فهو الرخاء والراحة والطمأنينة والسعادة. وهذا الفيض يمسك. ثم يفيض الرزق ويقبل كل شيء، فلا جدوى. وإنما هو الضنك والحرج والشقاوة والبلاء!
المال والولد، والصحة والقوة، والجاه والسلطان تصبح مصادر قلق وتعب ونكد وجهد إذا أمسكت عنها رحمة الله، فإذا فتح الله أبواب رحمته كان فيها السكن والراحة والسعادة والاطمئنان.
يبسط الله الرزق ـ مع رحمته ـ فإذا هومتاع طيب ورخاء؛ وإذا هو رغد في الدنيا وزاد إلى الآخرة. ويمسك رحمته، فإذا هو مثار قلق وخوف، وإذا هو مثار حسد وبغض، وقد يكون معه الحرمان ببخل أو مرض، وقد يكون معه التلف بإفراط أو استهتار.
ويمنح الله الذرية ـ مع رحمته ـ فإذا هي زينة في الحياة ومصدر فرح واستمتاع، ومضاعفة للأجر في الآخرة بالخلف الصالح الذي يذكر الله. ويمسك رحمته فإذا الذرية بلاء ونكد وعنت وشقاء، وسهر بالليل وتعب بالنهار!
ويهب الله الصحة والقوة ـ مع رحمته ـ فإذا هي نعمة وحياة طيبة، والتذاذ الحياة.
ويسمك نعمته فإذا الصحة والقوة بلاء يسلطه الله على الصحيح القوي، فينفق الصحة والقوة فيما يحطم الجسم ويفسد الروح، ويدّخر السوء ليوم الحساب!
ويعطي الله السلطان والجاه ـ مع رحمته ـ فإذا هي أداة إصلاح، ومصدر أمن، ووسيلة لادخار الطيب الصالح من العمل والأثر. ويمسك الله رحمته فإذا الجاه والسلطان مصدر قلق على قوتهما، ومصدر طغيان وبغي بهما، ومثار حقد وموجدة على صاحبها لا يقر له معهما قرار ولا يستمتع بجاه ولا سلطان، ويدخر بهما للآخرة رصيداً ضخماً من النار.
والعلم الغزير، والعمر الطويل، والمقام الطيب، كلها تتغير وتتبدل من حال إلى حال.. مع الإمساك ومع الإرسال.
وقليل من المعرفة يثمر وينفع، وقليل من العمر يبارك الله فيه، وزهيد من المتاع يجعل الله فيه السعادة.
والجماعات كالآحاد، والأمم كالأفراد، في كل أر وفي كل وضع، وفي كل حال.. ولا يصعب القياس على هذا الأمثال!
ومن رحمة الله أن تحس برحمة الله! فرحمة الله تضمك وتغمرك وتفيض عليك. ولكن شعورك بوجودها هو الرحمة؛ ورجاؤك فيها وتطلعك إليها هو الرحمة، وثقتك بها وتوقعها في كلأمر هو الرحمة، والعذاب هو العذاب في احتجابك عنها أو يأسك منها أو شكك فيها. {إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف 87]
ورحمة الله لا تعز على طالب في أي مكان ولا في أي حال.
وجدها إبراهيم ـ عليه السلام ـ في النار.
ووجدها يوسف ـ عليه السلام ـ في الجب كما وجدها في السجن.
ووجدها يونس ـ عليه السلام ـ في بطن الحوت في ظلمات ثلاث.
ووجدها موسى ـ عليه السلام ـ في اليم وهو طفل مرد من كل قوة ومن كل حراسة، كما وجدها في قصر فرعون وهو عدو له متربص به ويبحث عنه.
ووجدها أصحاب الكهف في الكهف حين افتقدوها في القصور والدور، فقال بعضهم لبعض {فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته} [الكهف 16] ووجدها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم، وصاحبه في الغار والقوم يتعقونهما ويقصون الآثار.
ووجدها كل من آوى إليها يأساً من كل ما سواها، منقطعاً عن كل شبهة في قوة، وعن كل ......... في رحمة، قاصداً باب الله وحده دون الأبواب.
ثم إنه متى فتح الهل أبواب رحمته فلا ممسك لها.
ومتى أمسكها فلا مرسل لها.
ومن ثمّ فلا مخافة من أحد، ولا رجاء في أحد، ولا مخافة من شيء، ولا رجاء في شيء، ولا خوف من فوت وسيلة، ولا رجاء مع الوسيلة. إنما هيمشيئة الله.
ما يفتح الله فلا ممسك، وما يمسك الله فلا مرسل، والأمر مباشرة إلى الله.
{وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}.. يقدر بلا معقب على الإرسال والإمساك، ويرسل ويسمك وفق حكمة تكمن وراء الإرسال والإمساك.
{وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ} فلا رجاء في أحد من خلقة، ولا خوف لأحد من خلقة. فما أحد بمرسل من رحمة الله ما أمسكه الله.
أية طمأنينة؟ وأي قرار؟ وأي وضوح في التصورات والمشاعر والقيم والموازين تقره هذه الآيات في الضمير.
آية واحدة ترسم للحياة صور جديدة؛ وتنشيء في الشعر قيماً لهذه الحياة ثابته؛ وموازين لا تهتز ولا تتأرجح ولا تتأثر بالمؤثرات كلها، ذهبت أم جاءت، كبرت أم صغرت، جلّت أم هانت، كان مصدرها الناس أو الأحداث أو الأشياء!
صورة واحدة لو استقرت في قلب إنسان لصمد كالطود للأحداث والأشياء والأشخاص والوى والقيم والاعتبارات، ولو تضافر عليها الإنس والجن، وهم لا يفتحون رحمة الله حين يمسكها، ولا يمسكونها حين يفتحها.. {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}


الدرس الثاني(8)
في قوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [الآية 10] قال ابن كثير: وروى ابن جرير عن المخارق بن سليم قال: قال لنا عبد الله ـ ابن مسعود ـ رضي الله عنه إذا حدثناكم بحديث أتيناكم بتصديق ذلك من كتاب الله تعالى، أن العبد المسلم إذا قال سبحان الله وبحمده، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، تبارك الله، أخذهن ملك فجعلهن تحت جناحه، ثم صعد بهن إلى السماء فلا يمربهن على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن، حتى يجيء بهن وجه الله عز وجل.
ثم قرأ عبد الله رضي الله عنه {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}...
وقال كعب الأحبار: إن لسبحان الله،والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لدوياً حول العرش، كدوي النحل، يذكرن لصاحبهن، والعمل الصالح في الخزائن.
وهذا إسناد صحيح إلى كعب الأحبار رحمة الله عليه.
وقد روي مرفوعاً عن الإمام أحمد عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الذين يذكرون الله، من جلال الله، من تسبيحه، وتكبيره، وتحميده، وتهليله، يتعاطفن حول العرش، لهن دوي كدوي النحل، يذكرن بصاحبهن، ألا يحب أحدكم أن لا يزال له عند الله شيء يذكر به"
[وهكذا رواه ابن ماجه].
الدرس الثالث(8)
في قوله تعالى {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ} [الآية 11]
قال ابن كثير: روى النسائي عند تفسير هذه الآية عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من سّره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره، فليصل رحمه" [وقد رواه البخاري ومسلم وأبو داود]
وروى ابن أبي حاتم عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: ذكرنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إن الله تعالى لا يؤخر نفساً إذا جاء أجلها، وإنما زيادة العمر بالذرية الصالحة يرزقها العبد فيدعون له من بعده فليحقه دعاؤهم في قبره فذلك زيادة العمر".
{إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ...}
{إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا...}
2- ذكرت السورة بالنعم التي توصل إلى التوحيد، ثم بينت أن الناس قسمان: شاكر، وكافرن وذكرت السورة أن طريق الشكر يبدأ بالخشية، وإقام الصلاة، ويغذيه التفكر، وقراءة القرآن: {أَلَمْ تَرَ...} {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ...}
3- في المقطع الأول أمرنا الله أن نذكر نعمته وفي المقطع الثاني حذّرنا من الدنيا ومن الشيطان أن يفتنانا، وفي المجموعة الأولى من المقطع الثالث بين لنا أن نقطة البداية في السير إلى الله الخشية، وحدثنا عن مثيرات الخشية، وستكمّل مجموعات المقطع الثالث هذا الموضوع.
4- بدأت السورة بذكر الأسس التي لابدّ منها من أجل الانطلاق في السير نحو الشكر، من تذكير،وتحذير، وتعريف، وأمر، ونهي، ثم لفتت نظر الإنسان إلى ما حوله، وها هي في ما تبقى منها تذكر مغذيات السير.
الدرس الرابع
في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}
قال النسفي: ولم يسمهم بالفقراء للتحقير بل للتعريض على الاستغناء، ولهذا وصف نفسه بالغني الذي هو مطمع الأغنياء، وذكر الحميد ليدل به على انه لاغني النافع بغناه خلقه، والجواد المنعم عليهم، إذ ليس كل غني نافعاً بغناه، إلا إذا كان الغنى جواداً منعماً وإذا جاء وأنعم حمده المنعم عليهم.
قال سهل: لما خلق الله الخلق حكم لنفسه بالغنى ولهم بالفقر، فمن ادعى الغنى حجب عن الله، ومن أظهر فقره أو صله فقره إليه، فينبغي للعبد أن يكون مفتقراً بالسر إليه، ومنقطعاً عن الغير إليه، حتى تكون عبوديته محضة، فالعبودية: هي الذل والخضوع، وعلامته أن لا يسأله من أحد.
وقال الواسطي، من استغنى بالله لا يفتقر، ومن تعزز بالله لا يذل.
وقال الحسين: على مقدار افتقار العبد إلى الله يكون غنياً بالله، وكلما ازداد افتقاراً ازداد غنى.
وقال يحيى: الفقر خير للعبد من الغنى؛ لأن المذلة في الفقر، والكبر في الغنى، والرجوع إلى الله بالتواضع والذلة، خير من الرجوع إليه بتكثير الأعمال.
وقيل صفة الأولياء ثلاثة: الثقة بالله في كل شيء، والفقر إليه في كل شيء، والرجوع إليه من كل شيء.
وقال الشبلي: الفقر يجر البلاء وبلاؤه كله عز.

الدرس الخامس
في قوله تعالى: {وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [الآية 18]
قال ابن كثير:
قال عكرمة في قوله تعالى: {إِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا} الآية قال: هو الجار يتعلق بجاره يوم القيامة فيقول: يا رب سل هذا لم كان يغلق بابه دوني.
وإن الوالد ليتعلق بولده يوم القيامة فيقول:
يا بني أي والد كنت لك؟ فيثني خيراً، فيقول له: يا بني إني قد احتجت إلى مثقال ذرّة من حسناتك أنجو بها مما ترى، فيقول له ولده، يا أبت ما أيسر ما طلبت، ولكني أتخّوف مثل ما تتخوف فلا أستطيع أن أعطيك شيئاً.
ثم يتعلق بزوجته فيقول: يا فلانة ـ أو يا هذه ـ أي زوج كنت لك؟ فتثني خيراً، فيقول لها: إني أطلب إليك حسنة واحدة تهبياً لي لعلي أنجو بها مما ترين، قال فتقول: ما أيسر ما طلبت ولكني لا أطيق أن أعطيك شيئاً إني أتخوف مثل الذي تتخوف.
ويقول الله تعالى: {وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا} الآية.
ويقول تبارك وتعالى: {لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا} [لقمان 23].
ويقول تعالى: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [عبس 34-37] [رواه ابن أبي حاتم رحمه الله].
الدرس السادس
في قوله تعال: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} [الآية 28] قال ابن كثير: "أي إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به، لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير العليم، الموصوف بصفات الكمال، المنعوت بالأسماء الحسنى، كلما كانت المعرفة به أتم، والعلم به أكمل، كانت الخشية له أعظم وأكثر.
روى علي بن أبي طالحة عن ابن عباس في قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} قال: الذين يعلمون أن الله على كل شيء قدير.
وقال ابن لهيعة عن ابن أبي عمرة عن عكرمة عن ابن عباس قال: العالم بالرحمن من عبادة من لم يشرك به شيئاً، وأحل حلاله، وحرم حرامه، وحفظ وصيته، وأيقن أنه ملاقيه، ومحاسب بعمله.
وقال سعيد بن جبير: الخشية هي التي تحول بينك وبين معصية الله عز وجل.
وقال الحسن البصري: العالم من خشي الرحمن بالغيب، ورغب فيما رغب الله فيه، وزهد فيما سخط الله فيه، ثم تلا الحسن {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ}
وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: ليس العلم عن كثرة الحديث ولكن العلم عن كثرة الخشية.
وقال أحمد بن صالح المصري عن ابن وهب عن مالك قال: إن العلم ليس بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يجعله الله في القلب.
قال أحمد بن صالح المصري معناه: أن الخشية لا تدرك بكثرة الرواية، وإنما العلم الذي فرض الله عز وجل أن يتبع فإنما هو الكتاب والسنة، وما جاء عن الصحابة رضي الله عنهم، ومن بعدهم أئمة المسلمين، فهذا لا يدرك إلا بالرواية، ويكون تأويل قوله نور يريد به: فهم العلم، ومعرفة معانيه.
وقال سفيان الثوري عن أبي حيان التيمي عن رجل قال: كان يقال: العلماء ثلاثة: عالم بالله عالم بأمر الله، وعالم بالله ليس بعالم بأمر الله، وعالم بأمر الله ليس بعالم بالله، فالعالم بالله وبأمر الله الذي يخشى الله تعالى، ويعلم الحدود، والفرائض، والعالم بالله ليس بعالم بأمر الله الذي يخشى الله، ولا يعلم الحدود والفرائض، والعالم بأمر الله ليس بعالم بالله الذي يعلم الحدود والفرائض ولا يخشى الله عز وجل.
الدرس السابع
في قوله تعالى {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ} [الآية 32] قال النسفي: وإنما قدم الظالم للإيذان بكثرتهم، وأن المقتصدين قليل بالإضافة إليهم، والسابقون أقل من القليل وقال ابن عطاء، إنما قدّم الظالم لئلا ييأس من فضله. وقيل إنما قدّمه ليعرفه أن ذنبه لا يبعده من ربه.
وقيل: إن أو الأحوال معصية، ثم توبة، ثم استقامة.
وقال سهل: السابق العالم، والمقتصد المتعلم، والظالم الجاهل.
وقال: أيضاً السابق الذي اشتغل بمعاده، المقتصد الذي اشتغل بمعاشه ومعاده، والظالم الذي اشتغل عن معاده.
قيل: الظالم الذي يعبده على الغفلة والعادة، والمقتصد الذي يعبده على الرغبة والرهبة، والسابق الذي يعبده على الهيبة والاستحقاق.
وقيل: الظالم من أخذ الدنيا حلالاً كانت أو حراماً، والمقتصد من يجتهد أن لا يأخذها إلا من حلال، والسابق من أعرض عنها جملة.
وقيل: الظالم طالب الدنيا، والمقتصد طالب العقبى، والسابق طالب المولى
وقد حقق ابن كثير المقام في هذه الآية. فذكر الاختلافات فيها، ثم رجح وأقام الدليل، ومجمل ترجيحه اعتمدناه في التفسير. ولننقل(8) هنا تحقيقة كله مع حذف الأسانيد.
قال: (روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} قال: هم أمه محمد صلى الله عليه وسلم ورثهم الله تعالى كل كتاب أنزله، فظالمهم يغفر له، ومقتصدهم يحاسب حساباً يسيراً، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب.
وروى أبو القامس الطبراني عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم أنه قال ذات يوم: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" قال ابن عباس رضي الله عنهما: السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد يدخل الجنة برحمة الله، والظالم لنفسه وأصحاب الأعراف يدخلون الجنة بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم. وكذا روي عن غير واحد من السلف: أن الظالم لنفسه من هذه الأمة من المصطفين على ما فيه من عوج وتقصير. وقال آخرون: بل الظالم لنفسه ليس من هذه الأمة، ولا من المصطفين الوراثين لكتاب.
وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} قال هم أصحاب المشأمة.
وقال مالك عن زيد بن أسلم والحسن وقتادة هو المنافق.
ثم قد قال ابن عباس والحسن وقتادة: وهذه الأقسام الثلاثة كالأقسام الثلاثة المذكورة في أول سورة الواقعة وآخرها.
والصحيح أن الظالم لنفسه من هذه الأمة.
وهذا اختيار ابن جرير كما هو ظاهر الآية.
وكما جاءات به الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طرق يشد بعضها بعضاً ونحن إن شاء الله تعالى نورد منها ما تيسر.
(الحديث الأول) روى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنه قال: "في هذه الآية {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ} قال هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة، وكلهم في الجنة" هذا حديث غريب من هذا الوجه وفي إسناده من لم يسم وقد رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث شعبة بن نحوه ومعنى قوله: بمنزلة واحدة أي في أنهم من هذه الأمة وأنهم من أهل الجنة، وإن كان بينهم فرق في المنازل في الجنة.
(الحديث الثاني) روى الإمام أحمد عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "قال الله تعالى {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ} فأما الذين سبقوا فأولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وأما الذين اقتصدوا فأولئك الذين يحاسبون حساباً يسيراً، وأما الذين ظلموا أنفسهم فأولئك الذين يحبسون في طول المحشرن ثم هم الذين تلافاهم الله برحمته فهم الذين يقولون {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ}. (طريق أخرى) روى ابن أبي حاتم عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} قال: "فأما الظالم لنفسه فيحبس حتى يصيبه الهم والحزن ثم يدخل الجنة" ورواه ابن جرير من حديث سفيان الثوري عن الأعمش قال: ذكر أبو ثابت أنه دخل المسجد فجلس إلى جنب أبي الدرداء رضي الله عنه فقال: اللهم آنس وحشتي، وارحم غربتي، ويسر لي جليساً صالحاً، فقال أبو الدرداء رضي الله عنه: لئن كنت صادقاً لأنا أسعد به منك، سأحدثك حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أحدّث به منذ سمعته منه، ذكر هذه الآية {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} فأما السابق بالخيرات فيدخلها بغير حساب، وأما المقتصدي فيحاسب حساباً يسيراً، وأما الظالم لنفسه فيصيبه في ذلك المكان من الغم والحزن، وذلك قوله تعالى {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ}.
(الحديث الثالث) روى الحافظ أبو القاسم الطبراني عن أسامه بن زيد رضي الله عنهما {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ} الآية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلهم من هذه الأمة".
(الحديث الرابع) روى ابن أبي حاتم عن عوف بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم أنه قال: "أمتي ثلاثة أثلاث: فثلث يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وثلث يحاسبون حساباً يسيراً ثم يدخلون الجنة، وثلث يمحصون ويكشفون، ثم تأتي الملائكة فيقولون: وجدناهم يقولون لا إله إلا الله وحده، يقول الله تعالى صدقوا لا إله إلا أنا؛ أدخلوهم الجنة بقولهم لا إله إلا الله وحدة، واحملوا خطاياهم علىأهل النار، وهي التي قال الله تعالى {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} [العنكبوت 13]. وتصديقها في التي فيها ذكر الملائكة قال الله تعالى {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} فجعلهم ثلاثة أفواج وهم أصناف كلهم: فمنهم ظالم لنفسه، فهذا الذي يمحص ويكشف" غريب جداً.
(أثر عن ابن مسعود رضي الله عنه) روى ابن جرير عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: إن هذه الأمة ثلاثة أثلاث يوم القيامة: ثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون حساباً يسيراً، وثلث يجيئون بذنوب عظام، حتى يقول الله عز وجل ما هؤلاء؟ ـ وهو أعلم تبارك وتعالى ـ فتقول الملائكة: هؤلاء جاؤوا بذنوب عظام، إلا أنهم لم يشركوا بك شيئاً، فيقول الرب عز وجل: أدخلوا هؤلاء في سعة رحمتي.
وتلا عبد الله رضي الله عنه هذه الآية {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} الآية.
(أثر آخر) روى أبو داود الطيالسي عن عقبة بن صهبان الهنائي قال: سألت عائشة رضي الله عنها عن قول الله تعالى {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} الآية، فقالت لي: يا بني هؤلاء في الجنة أما السابق بالخيرات: فمن مضى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، شهد له رسول الله صلى الهل عليه وآلهع وسلم بالجنة، وأما المقتصد: فمن اتبع أثره من أصحابه حتى لحق بهم، وأما الظالم لنفسه: فمثلي ومثلكم قال: فجعلت نفسها رضي الله عنها معنا، وهذا منها رضي الله عنها من باب الهضم والتواضع، وإلا فهي من أكبر السابقين بالخيرات، لأن فضلها على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام.
وقال عبد الله بن المبارك رحمة الله: قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه في قوله تبارك وتعالى {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} قال: هي لأهل بدونا، ومقتصدنا أهل حضرنا، وسابقنا أهل الجهاد، رواه ابن أبي حاتم.
وقال عوف الأعرابي: حدثنا عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: حدثنا كعب الأحبار رحمة الله عليه قال: إن الظالم لنفسه من هذه الآمة، والمقتصد والسابق بالخيرات كلهم في الجنة، ألم تر أن الله تعالى قال {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} إلى قوله عز وجل {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ} قال: فهؤلاء أهل النار، رواه ابن جرير من طرق عن عوف به ثم قال: إن ابن عباس رضي الله عنهما سأل كعباً عن قوله تعالى {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} إلى قوله {بِإِذْنِ اللَّهِ} قال: تماست مناكبهم ورب كعب، ثم أعطوا الفضل بأعمالهم.
ثم روى ابن جرير عن أبي إسحاق السبيعي في هذه الآية {ُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} الآية، قال أبو إحساق: أما ما سمعت من ذي ستين سنة فكلهم ناج.
ثم روى ابن جرير أيضاً ـ بسنده ـ عن محمد ابن الحنفية رضي الله عنه قال: إنها أمه مرحومة، الظالم مغفور له، والمقتصد في الجنان عند الله، والسابق بالخيرات في الدرجات عند الله. ورواه الثوري عن إسماعيل ابن إسماعيل عن رجل عن محمد بن الحنفية رضي الله عنه بنحوه.
وقال أبو الجارود: سألت محمد بن علي ـ يعني الباقر ـ رضي الله عنهما عن قول الله تعالى {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} فقال: هو الذين خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً.
فهذا ما تيسر من غيراد الأحاديث والآثار المتعلقة بهذا المقام.
وإذا تقرر هذا فإن الآية عامة في جميع الأقسام الثلاثة في هذه الأمة، فالعلماء أغبط الناس بهذه النعمة، وأولى الناس بهذه الرحمة فإنهم كما قال الإمام أحمد رحمه الله: قدم رجل من أهل المدينة إلى أبي الدرداء رضي الله عنه وهو بدمشق فقال: ما أقدمك أي أخي؟ قال حديث بلغني أنك تحدّث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من سلك طريقاً يطلب فيها علماً سلك الله تعالى به طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم، وإنه ليستغفر للعالم من في السموات والأرض، حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، إن العلماء هم ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهما وإنماورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر" [وأخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث كثير بن قيس ومنهم من يقول قيس بن كثير عن أبي الدرداء رضي الله عنه].
وقد ذكرنا طرقه واختلاف الرواه فيه في شرح كتاب العلم من صحيح البخاري، ولله الحمد والمنة.
حديث ثعلبة بن الحكم رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يقول الله تعالى يوم القيامة للعلماء إني أضع علمي وحمتي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم ولا أبالي".

الدرس الثامن
في قوله تعال: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} [الآية 43] قال ابن كثير: روى ابن أبي حاتم عن أبي زكريا الكوفي عن رجل حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إياك ومكر السيء، فإنه لا يحيق المكر السيء إلا بأهله ولهم من الله طالب"
وقال محمد ابن كعب القرظي: ثلاث من فعلهن لم ينج حتى ينزل به: من مكر أو بغى أو نكث وتصديقها في كتاب الله تعالى {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ}
{إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم} [يونس 23] {فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ} [الفتح 10]



ثانى عشر : مصادر المفاتيح و هوامش البحث
1- السخاوي، الفيروزابادي، البقاعي، السيوطي، الآلوسي، القاسمي "مصادر سابقة"
2- انظر: البقاعي / نظم الدرر "تفسير سورة فاطر"
3- انظر: مكي بن أبي طالب / التبصرة ص306
السخاوي / جمال القراء 1/213
الفيروزابادي / بصائر ذوي التمييز 1/386
الآلوسي / روح المعاني "تفسير سورة فاطر"
محمد غوث / نثر المرجان 5/499
4- انظر: فضل سورة البقرة (في مفاتيح سورة البقرة).
5- انظر: الآلوسي / روح المعاني "تفسير سورة فاطر"
6- انظر: سعيد حوى / الأساس "تفسير سورة فاطر"
7- انظر: المراغي / تفسير المراغي "تفسير سورة فاطر"



فضيلة الدكتور عبد الحي الفرماوي
رئيس قسم التفسير وعلوم القرآن بجامعة الأزهر


المواضيع المتشابهه:


[,hiv ,gNgz s,vm th'v w,vm th'v

عمدة المصريين غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
جواهر, صورة, فاطر, ولآلئ


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are معطلة
Refbacks are معطلة


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc. TranZ By Almuhajir
adv helm by : llssll
الساعة الآن 03:18 PM