العودة   منتديات همس المصريين > همـــــــس السياحة والتاريخ > القسم التاريخى

القسم التاريخى مواضيع تاريخية , التاريخ , الحضارة والتاريخ , تاريخ مصر , تاريخنا المصرى , تاريخ فات وآت

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 09-22-2012, 06:11 PM   #1
|| المدير الأول لهمس ||
 
الصورة الرمزية محمدعبد العال
 
تاريخ التسجيل: Thu Dec 2011
المشاركات: 43,746
معدل تقييم المستوى: 63
محمدعبد العال has a reputation beyond reputeمحمدعبد العال has a reputation beyond reputeمحمدعبد العال has a reputation beyond reputeمحمدعبد العال has a reputation beyond reputeمحمدعبد العال has a reputation beyond reputeمحمدعبد العال has a reputation beyond reputeمحمدعبد العال has a reputation beyond reputeمحمدعبد العال has a reputation beyond reputeمحمدعبد العال has a reputation beyond reputeمحمدعبد العال has a reputation beyond reputeمحمدعبد العال has a reputation beyond repute

اوسمتي

افتراضي التاريخ الإسلامي : معركة بلاط الشهداء

التاريخ الإسلامي :

معركة بلاط الشهداء
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

معركة بلاط الشهداء، هي معركة حصلت في شهر رمضان المبارك من سنة 114 هـ، الموافق لشهر أكتوبر من سنة 732 م[25]، وهناك اختلاف بين المراجع على متى بدأت المعركة بالضبط ومتى انتهت، وكم كانت مدتها، وقد ذكر الحجي أنها استمرت حوالي 10 أيام[26]، بين قوات مسلمة أكثرها من البربر مع بعض العرب لصالح الدولة الأموية[27]، بقيادة بطل معركة تولوز القائد التابعي عبد الرحمن الغافقي، وقوات نصرانية ووثنية يشار إليها كثيراً بقوات الشمال، أكثرها من أوستراسيا، ونوستريا، وبورغانديا، وسوابيا (السويف)[28]، بالإضافة إلى قوات من مرتزقة وثنيين لقبائل جرمانية عدة من حدود الراين[29] أشهرها السكسون[30]، بالإضافة إلى قوات يشار إليها بشكل خاص تابعة لأقطانيا بقيادة الدوق أودو (أودو العظيم كما يسمي نفسه)، بالإضافة إلى قوات من اللمبارد البابوية الإيطالية وقوات أخرى من مختلف أنحاء أوربا كبلغاريا[31][32] جاءت لتقاتل تحت شعار إنقاذ المسيحية والكنيسة الكاثوليكية في أوربا[33][34]، لذلك يشار كثيراً إلى المعركة على أنها سبقت عصرها والحملات الصليبية في القرون الوسطى[35][36].
اجتمعت قوات الفرنجة (وكلمة الفرنجة هي إشارة عربية إلى كل شعوب أوربا التي حاربت المسلمين[37]، واستعملها أهل الأندلس وكتابها ومؤرخوها للإشارة إلى شعوب أوربا كلها ما وراء جبال البرتات [في الأرض الكبيرة][38]، في حين يستعملها البعض الآخر من المؤرخين للإشارة إلى مملكة الفرنجة التي بدأت في أوستراسيا وتوسعت لتشمل أجزاء كبيرة من أوربا) تحت قيادة محافظ القصر الميروفنجي الأوستراسي قارلة (تشارلز)[39]، وكان ملوك الميروفنجيين ضعفاء لا يقدرون على شيء والسلطة كلها بيد محافظ القصر وحده[40].
التسمية والموقع

تسمى المعركة عند العرب بمعركة بلاط الشهداء، وكلمة بلاط في اللغة العربية هي من نفس الأصل الذي خرجت منه كلمة بالاتيوم Palatium اللاتينية، وكلمة بالاس Palace الإنجليزية، وتعني حتماً القصر، حيث كان العرب يستعملونها للإشارة إلى قصور الملوك، وتمييزها عن ما دونها من القصور، وغير صحيح ما تردد عن أن معنى الكلمة هو الطريق المعبد، فهذا الاستعمال لم يظهر إلا فيما بعد.
وهكذا، فإن معركة بلاط الشهداء هي معركة قصر الشهداء الملكي (عند العرب والمسلمين). وقد ذكر الدكتور شوقي أبوخليل أن كلمة البلاط لاتعني الطريق المبلط، لكن المراد بكلمة البلاط في لغة أهل الأندلس هو القصر[41]. كما أوردت معاجم العرب، كالمعجم الغني والمعجم الرائد والمعجم الوسيط، أن لكلمة البلاط معنىً هو قصر الملك ومجلسه، ومعاني أخرى كمعنى حجارة الطريق، وأعود هنا لأشير إلى أن المعنى الأصلي للكلمة هو قصر الملك، استدلالاً من اشتقاق الكلمة، وأما المعاني الأخرى فقد ظهرت فيما بعد، ووفقاً لما أورده الدكتور شوقي، فالظاهر أن المعنى (قصر الملك) بقي على حاله عند أهل المغرب والأندلس، في حين تحور عند أهل المشرق من العرب مع الزمن.
التاريخ الإسلامي معركة بلاط الشهداء الفرنجة عام 481م حتى عام 843م

ومما يؤكد أيضاً أن المقصود بالبلاط هو قصر الملوك وإجلال الشهداء، أن بعض المؤرخين المسلمين استخدموا عبارة "موقعة البلاط" للإشارة إلى معارك أخرى قدم فيها المسلمون الكثير من الشهداء، كمعركة تولوز.
لقد أطلق العرب اسم بلاط الشهداء على موقع المعركة، كما أطلقوها على المعركة نفسها، تخليداً لذكرى الشهداء الأبطال الذين استبسلوا فيها بما يفوق الوصف والتعبير، وكأن أرض المعركة باتت بلاطاً ملكياً جليلاً خالداً لهم عبقاً بدمائهم الطاهرة.
أما قوات الشمال فقد أطلقت على المعركة اسم معركة تورز Battle of Tours نسبة إلى مدينة تورز، كما أطلقت عليها اسم معركة بواتييه Poitiers، وأحياناً Battle of Tours-Poitiers معركة تورز-بواتييه[42]، أما موقع المعركة فيطلقون عليه اسم Moussais-la-Bataille موساي لاباتاي[43]، وأشار الحجي والغنيمي أيضاً إلى قرية هي من ضمن موقع المعركة تدعى خندق الملك Fossi le Roi، حيث اكتشفت هناك حديثاً سيوف عربية[44][45]. وموقع المعركة هو سهل ممتد بين تورز وبواتييه، محدد من الشرق بمجرى نهر فيين الذي يرفد نهر اللوار[46].
الأحداث التي سبقت المعركة

انطلاق حملة الغافقي

حشد الغافقي جيشاً قوامه 50 ألف مقاتل، وهو أكبر جيش أموي دخل الأندلس وغاليا حتى ذلك الوقت[47]، حتى طارق بن زياد كان جيشه 7 آلاف، و طريف بن مالك كان جيشه 5 آلاف، و موسى بن نصير كان جيشه 18 ألف، فكان جيشهم جميعاً 30 ألف مقاتل[48]، وبذلك يكون الغافقي قد جهز حملة لم يسبق لأحد من قادة الأمويين قبله أن جهز مثلها.
كان الغافقي من طراز حسان بن النعمان يعمد إلى الفتح وترسيخه وتعزيز الحاميات قبل الانطلاق إلى فتحٍ غيره[49]، فانطلق في البداية تلقاء إقليم كاتالونيا في الأندلس، و هو أقرب إقليم إلى بلاد الغال، فقواه وقضى على المتمردين فيه، ثم تحرك إلى إقليم سبتمانية الأموي فعزز وجودهم فيه، وعاد بعدها إلى مدينة بمبلونة في شمالي أيبريا، فانطلق منها وعبر جبال المعابر أو جبال الأبواب (في اللاتينية تسمى جبال البرت Porta، وتعني الباب)[50]، وكان هدفه أقطانيا (والتي كانت حدودها تنتهي عند نهر اللوار) والدوق أودو.
وصل الغافقي إلى إقليم أقطانيا، وسار في الطرف الغربي من فرنسا باتجاه الشمال، ثم انحرف باتجاه الشرق والجنوب إلى مدينة آرلس فاعاد فتحها وحصن المسلمين فيها، ثم عاد إلى أقطانيا وكان حريصاً على أن يصل أقطانيا بسبتمانيا، لتمكين المسلمين من كلا الإقليمين معاً.
معركة نهر الجارون

كان أودو حاكم أقطانيا قد جمع للغافقي كل ما استطاع، وكان حاكماً ذا سلطة ونفوذ وعلى اتصال مستمر ببابا الكنيسة في روما، ويطلق على نفسه لقب أودو العظيم، فخرج للقاء الغافقي، والتحم الجيشان في معركة نهر الجارون الشهيرة، والتي انتقم فيها الغافقي لمقتل القائد الذي أحبه، السمح بن مالك الخولاني، ففتك الأمويون في تلك المعركة بجيش أودو، وكثر القتل فيهم، حتى قال بعض المؤرخين: إن الله وحده يعلم عدد القتلى.
وبعد هذه المعركة الحاسمة، فتحت مدن ومقاطعات أقطانيا بالكامل[51]، ويشار من بينها إلى مدينة بوردو عاصمة الإقليم[52]. وصل الغافقي إلى بواتييه ففتحها ثم وصل إلى تورز الواقعة على نهر اللوار و فتحها أيضاً[53]، وبذلك بات على مشارف ممالك الشمال الجرمانية والفرنجية.
بعد معركة نهر الجارون

لم يكن الغافقي ينوي التقدم أكثر من ذلك، بل كان ينوي تحصين المدن المفتوحة وتقويتها لتصبح ثغراً للمسلمين، كما هي الحال في سبتمانية، ولم يكن معه من الجند ما يكفي لفتح مدن أكثر، فبعد مسيرة طويلة في جنوب غالة وغربها، وبعد معركة نهر الجارون الضارية، لم يكن قد بقي معه أكثر من 10-30 ألف مقاتل[54].
كان قارلة -الملك الفعلي للفرنجة- رجلاً ذكياً، فطوال فتوحات الأمويين في غالة، ظل بعيداً نائيا بنفسه عن مواجهتهم، على الرغم من أنها كانت على مقربة من أرضه، ولطالما دخلت أرضه وصالت فيها وجالت أيضاً كحملة عنبسة بن سحيم الكلبي -والتي افتتحت إقليم بورغانديا بالكامل الذي هو جزء من مملكة قارلة، ووصلت سراياها حتى سفوح جبال فوسغس في قلب مملكة الفرنجة-[55]، ولكن قارلة لم يفعل شيئاً لهم، ولم يجرؤ على التصدي لعنبسة أو الظهور على ساحة الأحداث أبداً، بل وتذكر المصادر التاريخية الإسلامية أن حملة عنبسة لم تلق مقاومة تذكر[56]، وأنه آثر العودة إلى قاعدته لأسباب استراتيجية، لأنه شعر أنه توغل كثيراً في أرضٍ لا تزال مجهولةً بالنسبة للمسلمين[57][58]، وتذكر بعض هذه المصادر [ابن عذارى (البيان المغرب، ج2، ص26)، وابن الأثير (الجزء5، ص373)] أيضاً أنه مات ميتة طبيعية ولم يقتل[59].
لقد رأى قارلة أن المسلمين في معاركهم وفتوحاتهم أصحاب هممٍ عالية، وإيمان كبير بالرسالة التي يقاتلون من أجلها، و أن مواجهتهم وهم في أوج قوتهم ليست في صالحه، فترك أقطانيا وغيرها -وهم خصوم قارلة الذين أجبرتهم غزوات الأمويين على اللجوء إليه والتحالف معه- ينالهم من الأمويين ماينالهم، في حين كان قارلة يعد العدد والعتاد، ويرسل الرسل في البلاد، ويفعل كل ما بوسعه من إعداد للاشتباك في الوقت المناسب[60].
وبالفعل، فبعد أن تمكن الأمويون من ممالك غالة وملوكها، ووصل بهم الأمر إلى أن الخطوة القادمة كانت ستكون صولة قوية في الشمال أقوى من صولة عنبسة، قرر تشارلز أن الوقت قد حان للقاء الأمويين مباشرة بعد أن خاضوا حروبهم الأخيرة، و ألا يتيح المجال أمام الغافقي كي يوطد لنفسه ورجاله، و يعيد تجديد حملته، و يجلب الإمدادات.
و صادف ذلك قدوم أودو -منافس قارلة- إليه، وكان أودو قد أعاد لملمة رجاله وقواته، ولكنها لم تكن تكفيه كي يستعيد ملكه، فتوسل إلى قارلة كي يساعده في استعادة أقطانيا[61][62]، وهذا بالضبط ما أراده تشارلز، حيث أخذ من أودو ميثاقاً بالولاء له ولدولته، وكان له ما أراد، (وهكذا تحالف أودو العظيم مع تشارلز مارتل) ضد المسلمين[63].
قوات الشمال تزحف باتجاه رافد اللوار

خرج قارلة بجيش كبير جداً[64]، حيث كان قد جلب مرتزقة ومقاتلين من حدود الراين[65] و قوات من بورغانديا، ومتطوعون من كل أنحاء أوربا وبرعاية من بابا الكنيسة في روما، كما انضم إليهم أودو بفلول جيشه، فبات جلياً أن انهزام الجيش سيعني انكسار ممالك أوربا كلها.
كان عبد الرحمن قد وصل تورز كما أسلفنا مع من تبقى من جيشه، وكانت حملته بحاجة إلى إعادة وتجديد ودعم بالإمدادات لتعويض ما خسرته من جنود في أقطانيا وكاتالونيا وسبتمانيا وغيرها سواء في المعارك التي خاضتها أو في الحاميات التي خلفتها ورائها أو غير ذلك[66][67].
أراد قارلة ألا يتيح هذا المجال أمام الغافقي، وأن يسارع لمواجهته في هذا التوقيت، فاختار زمان المعركة الذي يناسبه، كما أنه أراد أن يختار أرض المعركة أيضاً، فهو علم أن تفوق القوط على المسلمين بحوالي عشرة أضعاف لم يسعفهم في معركة وادي لكة، وكذلك كان الأقطانيون والروم والفرس وغيرهم الذين لطالما خسروا معاركهم مع المسلمين على الرغم من تفوقهم عليهم كثيراً في العدة والعتاد، كالقادسية واليرموك وغيرها.
كان قارلة يعلم عدوه جيداً، ويعلم أنه قادر على أن يهزم جيشه على الرغم مما حشده له و أعده، فهو لطالما سمع عن العرب وانتصاراتهم في شرق الأرض وغربها، شمالها وجنوبها، وهاهم الآن قد وصلوا أرضه مككللين بالنصر والأمجاد على كل أمم الأرض وشعوبها رغم قلة أعدادهم وعتادهم. لم يكن قارلة مسيحياً متديناً، ولم يحارب هو بحد ذاته من أجل الصليب، بل غلب على طبعه وسياسته العكس تماماً، وكان كثيرون من مقاتليه مرتزقة وثنيون (خصوصاً أبناء القبائل الجرمانية)[68] غلبت على معتقداتهم الأساطير والخرافات، فكان قارلة يقاتل رغبةً في إحداث شعور النصر لديه، كعادة الجرمان (والذين يشابهون الأعراب في جلافتهم)، كان قارلة يسعى إلى مواصلة انتصاراته وتوسيع نفوذه ومملكته طوال سيرته العسكرية، كان يرغب بميراث أمجاد الروم وغيرهم، وعلى مختلف الجبهات، فهو مثلاً كان حريصاً على أن يضم ممالك أودو إليه قبل المسير للقاء المسلمين.
رأى قارلة أن مواجهة المسلمين وهم متحصنون في تورز ستكسر كثرة جيشه، فرأى أن يستدرجهم إلى خارج المدينة إلى السهل الواقع غرب رافد نهر اللوار، حيث سيمكنه هذا السهل من محاصرة المسلمين من الخلف، ومن أكثر من جهة، معززاً بذلك تفوق الكثرة على القلة.
مع الإشارة هنا إلى أن هذا السهل هو سهل أحراش، الأمر الذي ساعد المسلمين نوعاً ما في صمودهم في المعركة، في حين يرى آخرون -ومنهم الغنيمي- أن الأحراش لعبت دوراً سلبياً بالنسبة للمسلمين.
أرسل قارلة فرقاً صغيرة من طلائع جيشه إلى الضفة الشرقية من النهر، فعندما علم بأمرها عبد الرحمن، أرسل فرقاً استطلاعية لكشفها، وعادت تلك الفرق تخبره أنها فرق قليلة العدد يسهل القضاء عليها، فخرج عبد الرحمن من المدينة لمواجهتها، وبذلك تحقق لقارلة ما أراد، فعندما عبر الغافقي و قواته إلى ضفة النهر الشرقية، حرك قارلة قواته باتجاه أرض المعركة، وكانت مهولة الكثرة كالطوفان المندفع[69].
عندما رأى عبد الرحمن هذا الجمع الهائل ارتد بقواته إلى السهل بين تورز وبواتيه[70]، لقد أدرك عندها ما أراده عدوه، وأنه أراد الإيقاع به وبقواته في السهل، حيث سيظهر تفوق العدد بشكل واضح جداً.
أخذ عبد الرحمن يعد بعض التحصينات، ومن المحتمل أنه عمد إلى حفر خندقٍ حول مؤخرة الجيش كي يحبط محاولات الفرنجة للاتفاف عليه، ومما يشير إلى ذلك اكتشافات حديثة لسيوف عربية هناك في منطقة تدعى خندق الملك Fossi le-Roi وفق ما أورده الدكتور الأستاذ عبد الرحمن علي الحجي[71] وأشار إليه أيضاً الدكتور الغنيمي[72]، والمرجح أن المقصود بالملك هو عبد الرحمن الغافقي، والخندق هو الخندق الذي عمد إلى حفره، ولكن الظاهر أن هذا الخندق كان سريع الإعداد هش المفعول ولم يتسن للمسلمين الوقت كي يكملوه كما يجب.
تقدم قارلة بقوات الشمال ونزل على مواجهة مع الجيش الأموي، استعداداً للمعركة، حيث انحرف الجيش الأموي قليلاً وتجمع في جهة الجنوب باتجاه بواتييه -كي يؤمن اتصاله بالجنوب-، وكان جيش أوربا ينحرف قليلاً ويتجمع في جهة الشمال باتجاه تورز -كي يؤمن اتصاله بالشمال-[73].
المعركة

مناوشات بين الجيشين لحوالي 9 أيام

استمرت بين الجيشين مناوشات لحوالي 9 أيام، ويبدو أنها شهدت تفوق الأمويين مما دفعهم إلى شن الهجوم في اليوم الأخير، ويبدو أيضاً أن قارلة عمد إلى تعزيز كثرة قواته بإطالة أمد المعركة، فأرسل يطلب المزيد من المدد من المدن المجاورة في حين أن الغافقي كان يحتاج لكل مقاتليه في المعركة، ولا يمكنه أن يتخلى عن بعضهم كي يرسلهم في طلب المدد، كما أن الطرق لم تكن مؤمنة بعد بما يكفي للرسل الأمويين -يشار هنا بشكل خاص إلى جبال الأبواب المسكونة بقطاع الطرق والعصابات-، وهذا الأمر يرجح أيضاً أنه كان سبباً في شن الأمويين هجومهم في اليوم الأخير كي لا تطول المعركة و تزيد الإمدادات القادمة لقوات الشمال، عدا عن ذلك فإن الأمويين قليلو العدد ستكثر جراحهم ويقل عددهم أكثر إذا طالت المعركة. وقدأشارت إحدى المصادر إلى أن الغافقي لو أرسل في طلب المدد، فلن يصله هذا المدد في أقل من شهر -في أحسن الأحوال-، أما قارلة فكان يقاتل في أرضه وبلاده وبين شعبه، وأرض المعركة نفسها خط إمداد له.[74]
انقضاض فرسان المسلمين على قوات الشمال

كان لدى الغافقي ورقته الذهبية وهي سلاح الفرسان، الذي لطالما حسم لصالح المسلمين معارك سابقة (كمعركة اليرموك على سبيل المثال)، فالفرسان المسلمون البواسل -أصحاب التاريخ المتألق-، على الخيل العربية الأصيلة –الشهيرة ومنقطعة النظير-، وبسيوفهم العربية –كالدمشقية واليمانية والهندوان-، وبالردينيات الطويلة –التي كان الأمويون يرسلون ضرباتها كالصواعق في السرعة والقوة- كانوا سلاح بني أمية المميز، ولم يخذل هذا السلاح الأمويين إلا في معركة الزاب الكبير الشهيرة، و بالفعل، ففي اليوم الأخير شن خيالة المسلمين بقيادة الغافقي هجوماً على قوات الشمال، فاقتلعوا أبطالهم، وزلزلوا ميدانهم، وأنزلوا بهم ما نزل، وكبدوهم خسائر فادحة، يقول رينود –المؤرخ الفرنسي- في ذلك: بلغ من حماسة المسلمين في ذلك اليوم أن بعض المؤرخين شبههم بريحٍ صرصرٍ تقتلع كل ما في طريقها، أو بسيف ماضٍ يقطع كل ما يجده[75].
التاريخ الإسلامي معركة بلاط الشهداء "فرس عربية أصيلة" لعبت الخيول العربية الأصيلة دوراً هاماً في الفتوحات الإسلامية، ولطالما ارتبط ذكر الفارس العربي الباسل بفرسه الأصيلة، وإن أهم صفة واسمة للخيل العربية الأصيلة هي العنق المقوسة، بالإضافة إلى سحر وجمال المظهرالعام، والإقدام والشجاعة في الحروب. يذهب البعض من علماء المسلمين كالإمام مالك -رحمه الله- إلى تحريم أكل لحوم الخيل إكراماً لها وللدور الذي لعبته في جهاد المسلمين، ويقول الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم-: الخيل معقودٌ في نواصيها الخير إلى يوم القيامة. كما أقسم الله تعالى في القرآن الكريم بالخيل فقال: ((والعاديات ضبحاً، فالموريات قدحاً، فالمغيرات صبحاً، فأثرن به نقعاً، فوسطن به جمعاً)).

وفي أرض المعركة اليوم، لوحة تظهر فرسان المسلمين كالجبال الراسخة على خيولهم الأصيلة وبأيديهم رماحٌ مشرعة، ينقضون على قوات الشمال، مع العلم أن هذه اللوحة رسمها رسامون أوربيون وجعلوا للفرنجة فيها ما لم يكن حقاً، ولكن ثناء العدو على عدوه يؤخذ به كما نعلم.
قوات الشمال تهاجم المسلمين من الخلف

بدا من انقضاض الفرسان هذا وانكسار الفرنجة أن المسلمين اقتربوا من النصر[76]، إلا أن قارلة أسرع فأرسل فرقاً وتعزيزات عسكرية استطاعت أن تجد لنفسها منافذ عبر الخندق هش المفعول (أو التحصينات) والحرائش، فهاجمت المسلمين من الخلف[77]، ومن المتوقع أنها حاولت إحراق مخيمهم أو تدميره، فانكفأ الفرسان و الجنود كي يتصدوا لهذا الهجوم ويحبطوه[78] -لا لأجل الغنائم التي فيها كما يزعم الكثير من المؤرخين، وسنتحدث عن خرافة الغنائم وندحضها فيما بعد-، حيث كان لابد لهم أن يؤمنوا معسكرهم الذي هو مركز انطلاقهم، وما فعلوه كان صحيحاً بلا شك، ولولا ذلك لدمر الفرنجة مخيمهم، وبات المسلمون ليلتهم محاصرين.
في نفس الوقت، أعاد قارلة تعزيز الجبهة الأمامية بالمقاتلين، فغدا الأمويون محاصرين من كل مكان وبدا عندها أن الكثرة تفوقت على القوة[79].
مكتوب في أرض المعركة اليوم أيضاً وفقاً لمخطوطات قديمة، أن الفرنجة بلغوا من الكثرة أنه ما كان يقتل منهم واحد حتى يقفز آخر فيأخذ مكانه.
استبسل الغافقي و المسلمون في القتال، فاستحقوا عرش الشهداء، واستحقت المعركة لقب البلاط.
تظهر لنا لوحة أخرى موضوعة في أرض المعركة الغافقي وهو ينهال بسيفه على أجساد الفرنجة ودروعهم بكل شجاعة وبسالة، مع أن الرسام متشدد وصليبي الانتماء، وأعود هنا لأذكر بأن الفضل ما شهدت به الأعداء، وأما بقية مافي اللوحة فمن خيال الرسام ولا أصل له، ولكن عندما يشهد طرف من الخصم بمحاسن الطرف الآخر فهي شهادة توضع تحت الاعتبار. [ومما يثير التعليق الساخر على هذه اللوحة أنها جعلت لقارلة خيلاً عربية أصيلة!!! فالعنق المقوسة إلى هذه الدرجة التي تشاهدها في اللوحة هي صفة واسمة للخيل العربية الأصيلة[80]، أضف إلى ذلك صفات أخرى ثانوية كعلامات الجد والإقدام على الوجه، والعينين المتسعتين، والرأس الصغير إلى المعتدل، وعضلات الصدر البارزة. لقد بالغ هذا الرسام في مخيلته إلى درجةٍ أوقعته في هذا المأزق، وقد عارضت نشر هذه اللوحة هنا لأنها تفتقر إلى أدنى درجات المحايدة أو الموضوعية، ولكنها نشرت، فكان من حقي -وفقاً لحرية التعبير- أن أنشر هذا التعليق أيضاً -المستند إلى أدلة وبإمكانك أن تقارن بين فرس قارلة في اللوحة والفرس العربية الأصيلة التي في الصورة المجاورة لترى التشابه الكبير-]
ومع غروب شمس ذلك اليوم، كانت شمس الغافقي وشهداء البلاط قد أشرقت في جنات المولى –عز وجل- ، لتأخذ المعركة اسمها الخالد في التاريخ العربي، وكذلك موضع المعركة، وكأن الغافقي والشهداء جعلوا لأنفسهم بلاطاً هناك لا يزال يحتفظ بذكريات اللحظات الأخيرة من بسالة و فداء.
المسلمون يحبطون الهجوم على مخيمهم

أما بقية الجيش المسلم، فكان قد نجح في دحر الهجوم على مخيمه، وكبد قوات الشمال خسائر فادحة أجبرتها على التقهقر عن المسلمين إلى مخيماتهم انتظاراً لمحاولات أخرى في اليوم التالي. في الليل، أصاب المسلمين حزنٌ شديد، فالغافقي لن يكون معهم غداً، وكذلك سواعد الشهداء الأبطال. رأى قادة الجيش أن الفرنجة قد يحاولون من جديد محاصرة المسلمين في اليوم التالي والالتفاف عليهم من الخلف و تدمير مخيمهم، مما قد يعني القضاء على الجيش المسلم بالكامل. كذلك فإن الفرنجة يحاربون في بلادهم، وخطوط الإمداد مفتوحة لهم على مصراعيها، أما هم فليسوا كذلك، بدت المعركة عندها وكأنها معركة مؤتة ثانية.
معركة مؤتة ثانية

عندما ارتد الغافقي بقواته إلى السهل، بعد أن رأى ضخامة جيش عدوه، كان ربما يفكر في العودة إلى أربونة عاصمته في بلاد الغال للتزود وطلب الإمدادات، ولكنه تابعي جليل تعلم من الصحابة رضوان الله عليهم، فرأى أن يواجه العدو كما فعل الصحابة رضي الله عنهم في مؤتة، وهكذا حفر الخندق السريع و حصن نفسه للقاء عدوه، وقرر ألا ينسحب و يطلب الإمداد، تماماً كما حدث في مؤتة.
والآن وقد اجتمع المسلمون في الليل، وبعد مقتل قائدهم، قرروا الانسحاب من أرض المعركة، كما قرر خالد بن الوليد رضي الله عنه الانسحاب بالمسلمين، قرروا الانسحاب إلى أربونة لإعادة بناء الجيش والعودة للغزو من جديد[81]. وكحيلة ذكية تركوا خيامهم قائمة، وجعلوها تبدو، وكأنها فخ أعدوه في الليل[82]، بالإضافة إلى ذلك، تركوا الغنائم للفرنجة في مكانها، لأنهم أحسوا من عدوهم حبه للمال، ولأنهم رأوا كثرة المرتزقة في جيش قارلة، فأرادوا إلهاءهم بها ريثما يتموا الانسحاب كما يجب. أفاق الفرنجة في اليوم التالي، وظنوا بعد الخسائر الكبيرة التي نزلت بهم، وصمود الأمويين الباسل، وتدميرهم للهجوم على معسكرهم، أن الأمويين أصحاب هذه البسالة المدهشة لن ينسحبوا، فعندما لم يجدوا المسلمين ونظروا إلى معسكرهم، شعروا بالفعل أنهم نصبوا لهم كميناً[83]، وبخطوات حذرة تقدموا باتجاهه، فلما تيقنوا انسحابهم، التهوا بالغنائم، ولم يجرؤ أي منهم على اللحاق بالمسلمين، ثم انكفؤوا عائدين إلى الشمال.
وفي طريقهم إلى أربونة، غزا المسلمون ليموزين Limoges على مقربة من جيريه وخربوا كنيسة سولنياك[84]، مما يؤكد أن قوتهم لم تنكسر، ولكنهم آثروا الانسحاب لأسباب استراتيجية ذكرناها سابقاً.
عودة وإضاءة وتركيز على دور الفرسان المسلمين في المعركة

في الواقع، يعتبر فجر الأندلس في أوربا، والفتوحات الإسلامية فيها ومعركة البلاط، نقطة تحول رئيسية في تاريخ الجيوش الأوربية عامة وعسكرتها، فقد كانت شعوب أوربا بشكل عام والفرنجة بشكل خاص -باستثناء الرومان والقوط الغربيين الأحسن حالاً نسبياً- شعوباً بدائية فيما يتعلق بالفروسية، وكانوا يعتمدون -بشكل رئيسي- في حروبهم على سلاح المشاة و كثرة الدروع، والرماح الطويلة، حيث كانت الوحدات العسكرية الأوربية تحاط بأربعة صفوف أساسية، وكانت هذه الصفوف تقيم لها صفاً من الدروع من كل جهة (الجهة الخلفية عند اللزوم)، في حين تقيم الصفوف الوسطى في الوحدة -أحياناً- دروعاً من أعلى، مشكلين بذلك ما يعرف بالوحدة المدرعة أو ال Phalanx، وكانت الجيوش الأوربية في ذلك الوقت تفتقر بوضوح لسلاح الفرسان طيلة معاركهم السابقة، بسبب قلة كفاءة الخيل الجرمانية وغيرها في الحروب، وضعف الأوربيين في مجال الفروسية، ولعل مما لا يعرفه الكثيرون أن الأروبيين في هذا العهد (قبل البلاط وغزوات المسلمين والأندلس) لم يعرفوا (السرج) وكانوا يركبون الخيل بلا سروج، ونتيجة ذلك، كانت الخيالة لديهم خفيفة جداً إذ لم يسمح غياب السرج للفارس بارتداء دروع ثقيلة، ولهذا كانت خيالتهم بالكامل تستخدم في المناوشات والاستكشاف بينما لم يكن لها دور رئيسي في المعارك لعدم فاعليتها ضد المشاة المدرعة الثقيلة.
في المقابل، كان العرب قبل الإسلام يعتمدون في حروبهم بشكل رئيس على سلاح الفرسان والكر والفر، و كانوا بارعين في المبارزة بالسيف من على ظهر الجواد، والطعن بالرماح، ورمي النبال، وهم أول من ريَّش السهام. وعندما جاء الإسلام، كان الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- أول من أدخل نظام الصف في الجيش العربي، يقول الله تعالى: ((إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيانٌ مرصوص)). وبذلك اكتسبت الجيوش العربية، أثناء الفتوحات الإسلامية، تنظيماً عسكرياً مميزاً، ففي معركة اليرموك على سبيل المثال، لعب سلاح الفرسان بقيادة خالد بن الوليد دوراً أساسياً إلى جانب المشاة -ذوو البنيان المرصوص- في حسم المعركة، وكذلك في بقية المعارك والفتوحات أظهر سلاح الفرسان كفاءة عالية جداً، خصوصاً أن الحصان العربي هو حصان مقدام يقاتل مع الفارس ويزلزل المشاة ويلقي الرعب في قلوبهم.
وها نحن أمام معركة البلاط، في ذاك الوقت كان سلاح الفرسان العربي متطوراً إلى حد كبير، ويشار هنا إلى دور السرج في تطور هذا السلاح، فكانت لدينا فرقتان من الفرسان:
فرسان الموت - فرسان الهجوم - فرسان السيوف والرماح

وهم سلاح الهجوم الرئيسي في الجيش المسلم، ويتميزون بالبسالة والكفاءة العالية جداً، وكان الخيالة هنا يرتدون بعض الدروع، كالخوذة والزرد (قميص من حلقات حديدية)، وبعض القطع الصلبة للسواعد والأقدام، بالإضافة إلى قطعة من الزرد لمقدمة الحصان. ونلاحظ أن مستوى تدريعها لم يصل إلى ما اتبعه الأروبيون لاحقاً والذي وصل إلى التدريع الصلب الكامل لكلٍ من الفارس والجواد، على الرغم من تفوق العرب في ذلك الزمان في مجال الحدادة والأسلحة، والسبب في ذلك هو أن الفرسان المسلمين كانوا يثقون ببسالتهم وقدراتهم كثيراً ولا يحتاجون لمزيد من الدروع، بعكس الفرسان الأوربيين الذين كانوا يجرون الحديد جراً من الجبن والخوف -كما قال عنهم المتنبي في مناسبة أخرى غير البلاط -واصفاً جبنهم-: أتوك يجرون الحديد كأنما...سروا بجيادٍ ما لهن قوائم-.
وكانت غارة واحدة من هذه الفرقة الباسلة ذات الكفاءة العالية من الفرسان ذات أثر مروع على المشاة، فكان الكثيرون منهم يسحقون تحت سنابك الخيل بينما تعمل سيوف الفرسان وحرابها في المشاة ما تعمل، وكثيراً ما لجأ القادة العرب والمسلمون إلى هذه الفرقة للوصول إلى قلب جيش العدو وقتل القادة (نذكر هنا معركة الحدث الحمراء كمثال)
الفرسان الرماة - فرسان المناوشات - فرسان السهام والرماح

كذلك كان لدى الجيش المسلم هذا النمط المتميز من الفرسان، حيث تلعب هنا الخيول العربية الأصيلة دوراً هاماً للغاية، فهي فائقة السرعة والتحرك والإقدام، وكان هذا النوع من الفرسان أصحاب خبرة ومهارة فائقة في الرمي من على ظهر الجواد، حيث تدور فرقهم بشكل مستمر حول العدو وتمطره بوابل السهام والرماح من جميع الاتجاهات، علماً أن هذا لم يكن من الممكن أن يتوفر لولا وجود السرج.
الفرسان في أرض المعركة

على كل حال، عندما أتى تشارلز مارتل إلى المعركة كان يسمع الأهوال عن المحاربين المسلمين وفرسانهم، لذا أتى بجيشه الهائل، و كان قد تسلح بحراب شديدة الطول، وأخذت وحداته العسكرية تشكيلة الوحدات المدرعة (ال Phalanx)، وكان كل رجل في جيش قارلة يحمل ما يزن 75 باوند(34كجم) من الدروع، إلا أنها لبثت في مكانها غير قادرة على الحراك عندما حاصرت الفرسان الرماة للجيش الأموي الفرنجة، وأخذت تمطرهم بوابل السهام عدة أيام، وكان الفرسان الرماة قمةً في البراعة والدقة في إصابة الأهداف من الثغرات بين الدروع، والحقيقة أن وضع قارلة كان خطيراً للغاية، إذ كان الفرسان المسلمون يجولون على صهوات الخيل العربية فائقة السرعة حول جيشه، يراقبون تحركاته، ويرمونه عن بعد، وتصاعدت أعداد القتلى والجرحى في صفوف قوات الشمال دون أن تتمكن من الرد أو الهجوم، بسبب ثقل حركاتها وبطئها لما تحمله من الدروع، ويصح هنا استعارة ذاك الوصف الشهير -أتوك يجرون الحديد-، و لقد بدا واضحاً من رعبهم وترددهم في الهجوم أيضاً، أنهم كانوا يواجهون أقوى جيش في العالم آنذاك، فلا عجب أن الروم والفرس في اليرموك والقادسية قيدوا جنودهم وكبلوهم بالسلاسل أمام هذا الرعب الحقيقي، ولاعجب أن قارلة وجنوده لم يجرؤوا أو يتجرؤوا على الخروج لعنبسة الذي قرع عقر دارهم مرات وكرات [حملة عنبسة عبارة عن عدة حملات خلال سنتين وليست حملة واحدة]، ولكن عبد الرحمن على ما يبدو أو ربما أحد قادة سلاح فرسان الهجوم، رأى أن سلاح الفرسان الرماة لا يمكنه أن يحسم المعركة بسبب هذا الحشد الهائل، وأن إطالة المعركة ليست في صالح المسلمين، ومستفيداً أيضاً من تفوق المسلمين الملحوظ وخوف أعدائهم، وفي غمرة هذا اليأس الذي أصاب الفرنجة وقارلة، شن فرسان الموت في اليوم الأخير هجومهم الساحق على الجيش الفرنجي. هدفهم هو قتل قارلة. وزلزلة الفرنجة وإلقاء الرعب فيهم ودفعهم للهرب. كان هدفهم الأساسي الوصول إلى قارلة وقتله، كما فعل خالد بسلاح فرسانه في معركة اليرموك عندما وصل إلى قلب الجيش الرومي وقتل قادته مما دفع بقية الجيش الرومي إلى أن يلوذ بالفرار بعد مقتل قائده. ولاريب أنهم نجحوا في البداية، فكان هجومهم كالإعصار المدمر، قبل أن تتمكن قوات من جيش الفرنجة من الالتفاف في غمرة المعركة -ويرجح أن أودو هو من قاد هذا الهجوم- والوصول إلى خلف الجيش الأموي ليحاط عندها بجيش الفرنجة، ومن المتوقع -بلا شك- أن تلك القوات الفرنجية حاولت إحراق المخيم، الأمر الذي سيعني كارثة حقيقية على الأمويين، فهب الفرسان والجنود لإيقافهم والتصدي لهم، فاضطرب الجيش، الأمر الذي انتهى باستشهاد الغافقي وعدد كبير من المسلمين.
الفرنجة يتعلمون الفروسية من الأمويين في الأندلس

أما التأثير المباشر لهذه الموقعة، فقد أدرك قارلة مدى تفوق المسلمين العسكري بسبب فرسانهم، ولهذا أمر أن يتم تطوير سلاح الفرسان لديه بما يحاكي سلاح الفرسان المسلمين، واستدعى هذا أن بحث الفرنجة عمن يعلمونهم صناعة السروج، وللأسف نقل بعض الأندلسيين تلك الحرفة إليهم، فتأسس سلاح الفرسان الثقيل الفرنسي، والذي لجأ إلى المبالغة في التدريع بشكل لافت [ولكن ذلك لم يوقف هزائمهم المتلاحقة في شرق العالم الإسلامي، وغربه] ومنه انتشرت تلك التقنية إلى أوربا، كما حاول الأوربيون مراراً أن يجلبوا الخيول العربية إلى بلادهم، لتطوير سلاح الفرسان أيضاً، ونجحوا في ذلك، وحاولوا أيضاً معرفة أسرار صناعة السيوف العربية كالدمشقية، ولكنهم لم يتمكنوا من ذلك، وبذلك كانت الأندلس وفتوحات المسلمين وتلك المعركة نقطة تحول أساسية في العسكرية الأوربية.
من هو عبد الرحمن الغافقي؟

هو أبو سعيد، عبد الرحمن بن عبد الله بن بشر بن الصارم الغافقي، من قبيلة غافق، أحد التابعين الكرام رضوان الله عليهم، حيث تذكر مصادر إسلامية أنه رأى وسمع من عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما[85].
وصفه الحميدي في جذوة المقتبس، فقال: كان رجلاً صالحاً، جميل السيرة، عادلاً، وكان شديد المحبة للجهاد في سبيل الله تعالى[86].
وقد تحدثت جميع النصوص اللاتينية عن شجاعته النادرة ومقدرته الحربية العظيمة[87][88].
ولايته الأولى

ظهرت شجاعته و مهارته العسكرية جليةً في معركة تولوز 102هـ، حيث اختاره المقاتلون بعد استشهاد السمح بن مالك الخولاني قائداً لهم، وكان ذلك يوم عرفة، فنجح في تأمين انسحاب الجيش إلى أربونة، بعد ذلك منحه المسلمون لقب بطل معركة تولوز، واختاروه قائداً لهم وأميراً على الأندلس وأقاليمها، وقد أقره نائب أفريقية في البداية ثم عزله بعد شهرين وعين عنبسة بن سحيم الكلبي، صاحب الحملة الشهيرة التي وصل بها إلى مدينة سانس التي تبعد عن باريس (من الحدود إلى الحدود، وليس من مركز المدينتين) 50 كم فقط [أوردها المؤلف 30 كم، وهذا خطأ، فهي 30 ميل أي حوالي 50 كم]، كما غزا في أراضي الفرنجة حتى وصل لانجري ففتحها من دون أن يفعل قارلة شيئاً[89].
قيادته الأساطيل البحرية الإسلامية الأموية في المتوسط، وغزوه جنوب أوربا

ورد عن الأستاذ الأفضل السيد عبد العزيز الثعالبي في بحث دقيق أجراه أن الغافقي في هذه الفترة (والمعلومة التي سأوردها الآن هي من المعلومات النادرة عنه) قد تولى قيادة أساطيل المسلمين في البحر المتوسط، انطلاقاً من قرطاجنة، وغزا جنوبي أوربا سنة 105هـ، ولم يعد إلا بعد أن أثخن في إيطاليا[90]. وأقول أن هذا غير مستبعد أبداً، إذ أوردت عدة مصادر اطلعت عليها أن الغافقي كان خارج الأندلس في هذه الفترة، ثم دخلها بعدها عندما عين والياً عليها وعلى أقاليمها. فمن المحتمل أن يكون قد أبلى في غزوته البحرية تلك بلاء حسناً رشحه لكي يُختار والياً فيما بعد، ومن المتوقع أيضاً أن يكون قد وجه ضربات مؤلمة عن طريق البحر لكل من الدولة البيزنطية، إيطاليا واللومبارد، جنوب غالة.
ولايته الثانية

عاد الغافقي ليعين من جديد أميراً على الأندلس سنة 112 هـ، فعمد إلى حل المشاكل والنزاعات العرقية بين العرب والبربر والقيسية واليمانية[91]، حيث كان الغافقي رجلاً مؤمناً بعيداً كل البعد عن هذه التعصبات للجاهلية، ونجح في توحيد المسلمين، فأحبه الناس، وارتاحوا لعدله، وساروا معه بعد ذلك إلى الفتح في غاليا[92]. وإذا كان عنبسة من طراز عقبة بن نافع[93]، فلقد كان الغافقي من طراز حسان بن النعمان، يعمد إلى تأمين الأقاليم المفتوحة قبل الانتقال إلى غيرها[94]، ولذلك انكفأ في البداية إلى تأمين الأندلس، فأمن أيبريا كلها، ثم أمن كاتالونيا، ثم كذلك سبتمانية، وعزز الحاميات، قبل أن ينطلق من بمبلونة في شمال أيبيريا ليفتح أقطانية، ولكن عدوه قارلة لم يمنحه الفرصة كي يؤمن هذا الإقليم الجديد.
من هم الأمويون ؟

التاريخ الإسلامي معركة بلاط الشهداء الدولة الأموية في أقصى اتساعها (باللون الأخضر الفاتح)

إحدى أعرق الممالك الإسلامية عبر التاريخ، ولكثيراً ما يشار إليها بالخلافة الأموية.
شهدت سنة 132 هـ - 750م غياب شمس بني أمية، وفجراً جديداً لبني العباس بعد معركة الزاب الكبير، وقصة استمرت 92 سنة.
وبنظرة سريعة على الدولة الأموية، فلقد امتدت من كاشغر في الصين شرقاً (في حين قبلت بقية الصين أن تدفع الجزية[95]، مما يجعلها تدخل في مضمون التبعية، و فتحت بلادها للتجار والمستكشفين الذين نقلوا الإسلام إلى أهلها، ونقلوا أسرار صناعة الورق إلى العالم الناهض، حتى لقد أقاموا فيها مدناً وقرى مسلمة بالكامل)، امتدت الدولة الأموية من كاشغر إلى ملتان والديبل في شمالي الهند القديمة، إلى نهر سيحون وبحيرة آرال في قلب آسيا، إلى جبال القوقاز، إلى هضبة الأناضول، وجبال طوروس، إلى جزيرة قبرص، إلى جبال الألب ومدينة بيدمونت الإيطالية[96]، طرق فرسانها أبواب سانس قرب باريس، وافتتحوا ماسون قرب جنيف.
"أيها الأمير، والله لا أرجع عن قصدي هذا ما لم أنته إلى البحر المحيط – يعني خليج باسكاي- وأخوض فيه بفرسي" قالها وفعلها طارق بن زياد[97].
من كاشغر في الشرق إلى الأطلسي وجبال الأطلس في الغرب، رسم المسلمون الفاتحون وجه الحضارة الجميل، "فلم يعرف التاريخ فاتحاً أرحم و لا أنبل منهم" قول لغوستاف لوبون.
و لطالما اعتمد الأمويون المسلمون في غزواتهم على خيولهم العربية الأصيلة، وسيوفهم الشهيرة، حيث كان الفارس عند العرب إذا اشتهر و علا صيته، اشتهرت معه فرسه وسيفه والأمثلة كثيرة، كسيف عمرو بن معديكرب رضي الله عنه، وفرس خالد بن الوليد رضي الله عنه، ويمانيته (سيفه اليماني).
الفرنجة

نقلاً عن شوقي أبوخليل، نقلاً عن فيشر:((شعبة من أولئك البدائيين الذين غزوا روما، وتقاسموا تراثها، وحلوا في ألمانيا وفرنسا، حكم منهم البيت الميروفنجي من سنة 481م وحتى 716م، وكان الحكام الميروفنجيون في آخر عهدهم كما وصفهم المؤرخ أينهارت: إنه لم يكن للملك شيء في المملكة سوى اسمه، وذوائب شعره المرخاة، ولحيته الطويلة، حتى إذا جلس الواحد منهم على عرشه، أخذ يلهو بإدارة شؤون الدولة لهو الصبية، فيستقبل الرسل الوافدين عليه من مختلف الممالك، ويكلمهم بكلمات يتلقنها ليتفوه بها صاغراً مأموراً، ولم يكن للملك ما يصح أن يدعيه لنفسه سوى ضيعة صغيرة فيها مسكنه الضئيل حجمه، وحاشيته القليل عددها، فإذا اقتضى الأمر سفراً، ركب عربة مثل عربات المزارعين من أهل الريف، تجرها الأبقار، ويسوقها فلاح من الفلاحين، وإذا جاء إلى القصر، أو ذهب إلى الاجتماع السنوي العام، سار موكبه في هذه الهيئة، على حين أصبح رئيس البلاط مسيطراً في شؤون الإدارة والحكم، مهيمناً على جميع المسائل السياسية الداخلية منها والخارجية.))[98]
ومن الغريب حقاً، أن كثيراً من الأوربيين اليوم يعتبرون قيام هذه الدولة -دولة الفرنجة الميروفنجية- وغيرها من ممالك الجرمان والغاليين والقوط على أنقاض بقايا الإمبراطورية الرومانية الغربية بداية لعصور ما بعد الظلام، ولم يعتبروا ظهور رسالة "اقرأ" التي وصلت ولأول مرة في تاريخ البشرية حضارات الشرق بالغرب، وانصهرت في قالبها الحضاري كل الأعراق البشرية في رونقٍ جميل أزهرت به العلوم والآداب كافةً، في حين لم تكن ممالك أوربا البدائية بأحسن حالاً من ممالك أفريقيا الوسطى، والحديث عن هذا الأمر يطول ويحتاج إضاءة خاصة، ولكننا نكتفي هنا بالإشارة إلى كتاب شمس الله تشرق على الغرب لزجريد هونكة، والذي أنصف المسلمين كما لم تفعل أكثر الكتب الأوربية الأخرى.
وبالعودة إلى الفرنجة، فلقد أحجم الفرنجة عن التخلص من البيت الميروفنجي، لظنهم أنهم مقدسون، ولاجناح عليهم مما ينغمسون فيه من المنكرات، فهم منحدرون من ميروفيوس الذي يرجع أصله إلى إله البحر العظيم -وفق معتقداتهم-، حسبما ورد في أغاني الفرنجة القديمة! إن حالة من القدسية أحاطت تلك الأسرة الفرنجية زمناً طويلاً قبل ظهور المسيحية بينهم.[99]
ثم بدت في الأفق الأسرة الجرمانية الكارولنجية في أوستراسيا، وأهم شخصيات هذه الأسرة بيبين و دوق أرنوف، ثم ما لبث بيبين أن أصبح رئيساً للبلاط، أو محافظ القصر، سنة 622م، فزوج ابنته لابن أرنوف، فكان من نتيجة المصاهرة بيبين الثاني، الذي تولى رئاسة البلاط في أوستراسيا سنة 681م، وهذا هو أبو قارلة.[100]
الفتوحات الإسلامية الأموية في غالة قبل معركة البلاط

حملة طارق بن زياد وموسى بن نصير الاستطلاعية

وبلمحة سريعة، فقد بدأها موسى بن نصير وطارق بن زياد بحملة استطلاعية يقال أنها وصلت حتى ليون في فرنسا، و أطلوا على مشارف الألب، ولكنها كانت مجرد حملة استكشاف لما وراء جبال الأبواب أو البرتات.[101]
حملة السمح بن مالك الخولاني

أول حملة فتح حقيقة كانت حملة السمح بن مالك الخولاني الذي فتح إقليم سبتمانية وعاصمته أربونة[102]، وفتح تولوز "طولوشة"[103] (والتي ظلت في أيدي المسلمين فترةً بعد ذلك[104])، واستشهد يوم عرفة في معركة تولوز[105]، التي أظهرت قدرة أعدائهم على حشد المقاتلين بكثرة.
حملة عنبسة بن سحيم الكلبي

تلتها حملة عنبسة بن سحيم الكلبي التي سارت بجوار نهر الرون وتوغلت كثيراً حتى وصلت سانس وقاربت باريس، لقد غزت حملته حوض الرون بالكامل، وتخطت اللوار وباتت على مسافة قريبة جداً من نهر السين نفسه، وبشيء أكثر من التفصيل، فقد انطلق عنبسة مع فرسانه من برشلونة فمروا بأربونة وغزوا قرقشونة، ثم نيمة، ثم أبنيون، ثم فالنس، ثم فيين، ثم ليون، ثم ماسون (تبعد عن جنيف من الحدود الخارجية إلى الحدود الخارجية حوالي 80 كم)، ثم شالون، ثم انقسموا فرقتين، فرقة سارت نحو ديجون ثم لانجر في الشمال، وسارت فرقة أخرى باتجاه أوتون ثم سانس. يقول رينود أن البعض يذهب إلى أن بعض سرايا العرب توغلت في الشمال الشرقي إلى أبعد من لانجر، ووصلت حتى سفوح جبال Vosges فوسغس. كما يذكر ابن عذارى (البيان المغرب، ج2، ص26) وابن الأثير (الجزء5، ص373) أن عنبسة مات ميتة طبيعية ولم يستشهد بعد عودته من حملته تلك.
حملة الغافقي

ثم حملة الغافقي التي أمنت المسلمين في الأقاليم المفتوحة، وفتحت أقطانيا لفترة قصيرة بعد معركة نهر الجارون الضارية، وانتصار المسلمين فيها انتصاراً ساحقاً.
الفتوحات الإسلامية الأموية في غالة بعد معركة البلاط

حملة يوسف الفهري

لم تتوقف الفتوحات الإسلامية في غالة بعد البلاط، بل استمرت بعدها مباشرة، فأرسل خليفة الغافقي عبد الملك بن قطن الفهري حملة يقودها يوسف الفهري الذي تحالف مع مارونت "مورون" دوق مارسيليا، وغزا في غالة حتى وصلوا نهر الدورانس، وافتتحوا إقليم بروفانس بالكامل، ومدينة ساينت ريمي وأفيغنون(أبنيون)، وهي عاصمة إقليم بروفانس في حوض الرون(رودنة)، ونشير هنا إلى احتمال أن يكون ابن قطن الفهري اشترك في معركة بلاط الشهداء، وتولى قيادة الجيش بعد استشهاد الغافقي.
حملة عقبة بن الحجاج السلولي

ثم كانت حملة عقبة بن الحجاج السلولي التي استعادت إقليم بورغانديا بالكامل (الذي هو جزء من إمبراطورية الفرنجة، وكان البورغانديون من حلفاء قارلة في البلاط)، وافتتحت دوفين، وساينت بول ترويس تشاتيوكس، ودونزير، وفالنس، وافتتحت ليون، ووصلت في الشرق حتى بيدمونت شمالي إيطاليا[120].
تحليل ومقارنة

قوات الشمال
  • تقاتل في أرضها.
  • تفوق عددي هائل جداً.
  • تفوق في العتاد، حيث يزعم مؤرخون أوربيون كديفيز، أن كل مقاتل في جيش قارلة كان يمتلك حوالي 75 باوند (34كجم) من الدروع.
  • خطوط الإمداد مفتوحة على مصراعيها.
  • لم يخض هذا الجيش أية معركة قبل معركة البلاط.
  • جغرافية أرض المعركة ملائمة وجيدة.
  • يعرف عدوه مسبقاً ويعد له، فالأمويون هم الدولة العظمى في عالمهم.
  • عنصر المباغتة، واستدراج الجيش الأموي إلى معركة بدت أنها صغيرة، ثم تحريك الجيش الفرنجي الهائل، الأمر الذي فاجأ الأمويين فارتدوا في البداية إلى الضفة الغربية، إلا أن الأمويين قرروا بعدها المواجهة على الرغم من كل شيء>>> لقد اختار الفرنجة زمن المعركة المناسب لهم.
الجيش الأموي
  • يقاتل في أرض شبه مجهولة تبعد عن عاصمته دمشق آلاف الأميال.
  • قلة واضحة جداً في العدد.
  • عتاد أقل نسبياً.
  • عملياً، لايوجد خط إمداد.
  • خرج لتوه من معركة نهر الجارون، ومن معارك مع متمردين، ومن حصارات لمدن، وكان قد أنهى لتوه فتح أقطانيا.
  • جغرافية أرض المعركة لعبت دوراً سلبياً.
  • لم يكن يعرف عن الفرنجة ولا عن قارلة شيئاً، بل إن قارلة لم يكن له وجود لا هو ولا جيشه في غزوة عنبسة.
  • كان هدف الحملة أقطانيا فقط، ولم تكن مستعدة بعد لما وراء أقطانيا>>> زمن المعركة كان مباغتاً ولم يكونوا على استعداد له.
أهمية بلاط الشهداء

بولغ كثيراً في أهمية هذه المعركة على غير وجه حق، فقد رأينا أن المسلمين لم يكونوا ينوون التقدم بعد تورز إذ لم يكن لديهم من المقاتلين ما يكفي لمزيد من الفتوحات، وكان الغافقي كحسان بن النعمان[121] ينوي تأمين أقطانيا أولاً، و لكن قارلة أراد أن يشتبك معه في المعركة قبل أن يتيسر له ذلك، وحتى لو أن المسلمين انتصروا في بلاط الشهداء لما تيسر لهم سوى فتح بعض المدن الشمالية وتأمين أقطانيا في حال وصول بعض الإمدادات لهم، لأن الدولة الأموية كانت أيام هشام بن عبد الملك تشتعل فيها الفتن و الثورات (كثورة البربر الكبرى في الأندلس و شمال أفريقيا، والتي هددت بانفصال هذه البلاد كلها عن الدولة الأموية)، وكان الغافقي سيعود لمواجهة هذه الثورات وإعادة الاستقرار إلى البلاد، ثم كانت ثورة العباسيين وغيرها لتشتعل، ثم انفصال الأندلس الأموية، الأمر الذي يعني أن حركات المقاومة النصرانية التي ظهرت في الأندلس كانت ستظهر في غالة، و لن يستطيع الأمويون وحدهم السيطرة عليها، و بالتالي سيأخذون في فقدانها كما أخذوا في فقدان الأندلس.
وقد رأينا العثمانيين فيما بعد يفتتحون في الشرق حتى وصلوا فيينا عاصمة النمسا في قلب أوربا، ومع ذلك عادوا وتراجعوا بعد ذلك بسبب المقاومة و الحروب لاستردادها، و تمزق الدولة العثمانية بالفتن و الثورات.
لقد أسرف الكثيرون للأسف في الحديث عن أن بلاط الشهداء أوقفت المسلمين، و الحقيقة الجلية أنها لم تفعل، بل استمرت حملاتهم في الغزو بعدها مباشرة، وإن الذي أوقفهم حقيقةً فيما بعد هو النزاعات والفتن والثورات التي فتكت بدولتهم بعدها، و قسمتها[122]. فقد رأينا المسلمين في شمال أفريقيا يخسرون المعركة تلو الأخرى ويقتل لهم القائد تلو القائد، ومع ذلك لم يتوقفوا حتى أتموا الفتح بالكامل، فكيف توقفهم معركة واحدة كبلاط الشهداء لم يقتل فيها لهم أكثر من 10 آلاف؟[123] يقول جوستاف لوبون في كتابه حضارة العرب ويؤكد: مخطئ من يعتقد أن بلاط الشهداء هي التي أوقفت العرب، فهم لم يتوقفوا بل تابعوا غزواتهم بعدها مباشرة[124][125] وكذلك يرى المؤرخ بيكر بقوله: توقف التوسع العربي توقفاً طبيعاً بسبب الظروف الداخلية[126].
من حكم العالم بعد بلاط الشهداء؟

يتحدث البعض من مؤرخي عصرنا عن أن نتيجة بلاط الشهداء أظهرت في العالم آنذاك أربعة دول عظمى وهي العباسية، والأموية، والبيزنطية، والفرنجية، وفي الحقيقة إن هذا القول هو إما لنقص في المعلومات التي لديهم، أو لأسباب أخرى،
بعد البلاط، خضعت الدولة البيزنطية في معظم أوقاتها للعباسيين

فالدولة البيزنطية كانت خاضعة للدولة العباسية، واعتادت في معظم أوقاتها على أن تدفع الجزية لهم، ونذكر هنا حادثة نقفور ملك الروم الذي رفض دفع الجزية للعباسيين، فما كان من الرشيد إلا أن سار إليه على رأس جيش عظيم، بحراً وبراً، فغزا قبرص والأناضول حتى وصل البسفور، وهم بفتح القسطنطينية، لولا أن نقفور أرسل إليه يعتذر بما أمكنه من عبارات ويطلب منه أن يرد له امرأة لابنه أسرها الرشيد ويعرض عليه الجزية مضاعفةً سنوياً، وقبل الرشيد ذلك من باب تسامح الإسلام وقبوله بالجزية.
بعد البلاط، ظلت الدولة الفرنجية غارقة في أوحالها وظلماتها

وأما عن دولة الفرنجة فقد كانت في جهلها وظلماتها لاتغري أحداً بمحاربتها، ويذكر التاريخ هنا ساعة الرشيد التي صممها علماء مسلمون، ويُذكر أن هذه الساعة المائية التي أرسلها الرشيد إلى شارلمان مصنوعة من النحاس الأصفر، بارتفاع نحو أربعة أمتار، وتتحرك بواسطة قوة مائية، وعند تمام كل ساعة يسقط منها عدد من الكرات المعدنيه يتبع بعضها البعض الاخر، بحسب عدد الساعات، فوق قاعدة نحاسية، فتحدث رنينا جميلاً في أنحاء القصر الامبرطوري، كانت الساعة مصممة بحيث يفتح باب من الأبواب الاثني عشر المؤدية إلى داخل الساعة ويخرج منه فارس يدور حول الساعة ثم يعود إلى المكان الذي خرج منه، وعندما تحين الساعة الثانية عشر يخرج اثنا عشر فارساً مرة واحدة يدورون دورة كاملة ثم يعودون من حيث أتوا وتغلق الأبواب خلفهم. أثارت الساعة دهشة الملك وحاشيته، واعتقد الرهبان أن في داخل الساعة شيطاناً يسكنها ويحركها، وجاؤوا إلى الساعة أثناء الليل، وأحضروا معهم فؤوساً وحطموها إلا أنهم لم يجدوا بداخلها شيئاً سوى آلاتها، وقد حزن الملك شارلمان حزناً بالغاً واستدعى حشداً من العلماء والصناع المهرة لمحاولة إصلاح الساعة وإعادة تشغيلها، لكن المحاولة فشلت، فعرض عليه بعض مستشاريه أن يخاطب الخليفة هارون الرشيد ليبعث فريقاً عربياً لإصلاحها فقال شارلمان: "إنني أشعر بخجلٍ شديدٍ أن يعرف ملك بغداد أننا ارتكبنا عاراً باسم فرنسا كلها"[127].
كما يذكر التاريخ أيضاً أن بابا الكنيسة في روما -يوحنا الثامن- دفع الجزية للمسلمين الأغالبة ومقدارها 25 ألف مكيال من الفضة عام 870م، ولم يتمكن لا الفرنجة الكارولنجيين ولا البيزنطيين على الرغم من استنجاده بهم أن ينقذوه من دفع هذه الجزية المهينة -بحسب وصف الكثير من المؤرخين-.
وأما الأمويون في الأندلس فقد سارت حضارتهم جنباً إلى جنب مع حضارة بغداد، وكانت تستهويهم جنتهم الأندلسية وما أبدعوه فيها أكثر بكثير من غزو الفرنجة وبلاد الشمال، ولولا تعسف اليد الهمجية التي أزالت معظم آثارهم وكتبهم فيما بعد، لوصلنا عنهم أكثر بكثير مما يذهلنا اليوم في تلك البلاد. ولا ريب في أن هجمات المغول الهمجية وحملات الصليبيين من قبلها وبعدها، في الشرق والغرب، وما نجم عنها من حرق للمكتبات وتدميرها، وإتلاف الكتب، وقتل العلماء، كما حصل في بغداد بعد استيلاء المغول عليها، وكما حصل في معرة النعمان بعد استيلاء الصليبيين عليها (والتي يؤكد مؤرخون نصرانيون وبشيء من الافتخار أن الصليبيين أكلوا لحوم الأطفال فيها، بسبب عدم وجود الطعام الذي يكفي مليون صليبي)، الدور الأكبر في تلاشي كثير من آثار الحضارة الإسلامية المجيدة في ذلك الزمان.
خرافات و أساطير حول المعركة

خرافة مقتل 375 ألف مسلم في معركة بلاط الشهداء، و 1500 فرنجي فقط

وهي خرافة تهاوت أنقاضاً وحطاماً، بسبب الكثير الكثير من الأسباب والأدلة، نذكر منها:
1- لو أن هذا الرقم كان صحيحاً، فلربما خلت سبتمانية والأندلس -على الأقل- من أي مسلم ، بل و إن ما يزيد الطين بلة، زعم أصحاب هذه الخرافة أن المسلمين خسروا في معركة تولوز أيضاً 375 ألف (نفس الرقم!)، وإذا جمعنا الرقمين، يصبح عدد قتلى المسلمين في هاتين المعركتين ثلاثة أرباع المليون (750,000)! و هذا استخفاف بالعقل البشري، مع ملاحظة أننا قد نشاهد هكذا رقم في الجزء الثاني من فيلم 300.
2- ثم وبعد أن قتل من المسلمين ثلاثة أرباع المليون، يعود يأجوج ومأجوج بنظر أصحاب هذه الخرافة، فيواصلون فتوحاتهم! وتخرج حملة الفهري مباشرة بعد البلاط، ثم حملة السلولي كذلك، وتحققان انتصارات لا تقل عن تلك التي سبقتها.
من الواضح أن مقتل 50 ألف فقط من المسلمين في البلاط كان سيكفي لإيقاف غزواتهم في غالة.
والحمد لله، أن الأمويين كذبوا هذه الخرافة بسيوفهم، فرأيناهم يخرجون بعد المعركة مباشرة ليواصلوا فتوحاتهم، في حين تجنب تشارلز لقاءهم طيلة خمس سنوات تلت البلاط، وفشل أيضاً عندما حاول لقاءهم بعد هذه السنوات الخمسة[128]، كما فشلت حملة ابنه من بعده بيبين وقتل المسلمون قائدها أنسموندس[129]، وصدق الشاعر العربي إذ قال:
السيف أصدق إنباء من الكتب.....في حده الحد بين الجد واللعب
بيض الصفائح لا سود الصحائف في.....متونهن جلاء الشك والريب
ولم يخرج المسلمون من أربونة إلا بأمر من عبد الرحمن الداخل[130] سنة 141هـ-759م[131]، عندما أمر بإجلاء المسلمين من المدينة، واكتفى بالأندلس، حيث لم يكن بمقدوره الحفاظ على تأمينها باستمرار.[132] وفي عام 177هـ، 793م، بعث هشام بن عبد الرحمن الداخل وزيره عبد الملك بن عبد الواحد واستولى عليها مرة أخرى[133].
3- تحدث أبوخليل عن هذه الرواية في كتابه فقال: تذهب الرواية النصرانية، ومعظم كتابها من الأحبار المعاصرين، في تصوير نكبة المسلمين إلى حد الإغراق، فتزعم أن القتلى من المسلمين في الموقعة بلغوا 375,000، في حين أنه لم يقتل من الفرنجة إلا 1,500، ومنشأ هذه الرواية رسالة أرسلها الدوق أودو إلى البابا جريجوري الثالث يصف فيها حوادث الموقعة، وينسب النصر لنفسه، فنقلتها التواريخ النصرانية المعاصرة وكأنها حقيقة يستطيع العقل أن يسيغها، بيد أنها لم تكن سوى خرافة محضة.
خرافة أن المسلمين كانوا حوالي ال400 ألف، والفرنجة 15-20ألف

وهذه ليست -على الإطلاق- أقل غرابة من تلك، للأسباب التالية:
1- موقع البلاط يبعد عن دمشق العاصمة آلاف الأميال، بينهما صحاري و جبال (مع إشارة إلى الصحراء الكبرى، وجبال البرتات المسكونة بقطاع الطرق و العصابات التي لطالما هددت طرق الإمداد[134])، في حين أن الموقع في أرض قارلة و أودو، و هيهات أن تقارن بين قدرتهما وقدرة الغافقي على حشد المقاتلين.[135]
2- لم يسبق للأمويين طيلة عصرهم أن حشدوا جيشاً كهذا الجيش، و حتى في معركة الزاب الكبير التي هددت وجودهم، ودارت غير بعيد عن عاصمتهم، و وضعوا فيها كل ما لديهم، كان جيشهم فيها حوالي ال100 ألف.
3- تكاد تجمع كل المصادر الإسلامية على أن جيش طارق بن زياد كان 12 ألف منهم 12 عربي فقط ( 5آلاف لطريف بن مالك انضم إليه قبل المعركة) في حين أن جيش موسى بن نصير كان 18 ألف، فيكون مجموع الجيوش التي فتحت الأندلس 30ألف[136]، في حين كان القوط حوالي ال100ألف[137] فكيف إذاً يتيسر للغافقي قريباً من حوالي نصف المليون مقاتل -كما يزعم أصحاب هذه الخرافة-، ولا يتيسر لابن نصير و ابن زياد اللذين كانا أقرب إلى العاصمة منه، و كانت حملتهما أشد خطراً و أهمية من حملته هو، لأنها كانت خطوتهم الأولى في أوربا الغربية، والتي ستقرر مصير المسلمين فيها أو لا لثمانية قرون مقبلة؟
4- معركة بلاط الشهداء كانت مهمة جداً بالنسبة للفرنجة والمسيحية و أوربا، فكيف يكتفي قارلة بهذا العدد الضئيل، في حين أنه قادر على أن يجمع أكثر منه بكثير من حلفائه، ومن فلول جيش أقطانيا، ومن مرتزقة القبائل الجرمانية، ومن مختلف أنحاء أوربا تحت شعار إنقاذ المسيحية؟ وقد رأينا الصليبين يحشدون في حملاتهم أعداداً ضخمة جداً.
5- أكدت المخطوطة التأريخية اللاتينية المستعربية 754، وعلى الرغم من أنها من المصادر المتحيزة إلى الفرنجة و قوات الشمال، أن قوات الشمال كانت أكثر بكثيرٍ عدداً وعتاداً من قوات الغافقي.
6- بالنسبة للأمويين، لم تكن معركة بلاط الشهداء أكثر من معركة واحدة من معارك كثيرة يخوضونها في جهات العالم الأربعة ، معركة لفتح مدن ، لا لتحريرها، معركة يعلمون أنهم إذا خسروها فقد يخسرون جزءاً ضئيلاً من بلاد أعدائهم، لا من بلادهم ، فلماذا يحشدون لها حوالي نصف المليون مقاتل كما تزعم هذه الخرافة، ثم إن الغافقي لم يكن يعرف أصلاً عن قارلة هذا شيئاً ولا عن الفرنجة، وكان هدف حملته أقطانيا فقط كما رأينا، ولكن قارلة أراد مواجهته قبل أن يستقر له الأمر فيها.
7- لم يكن هشام بن عبد الملك ليرسل قوة من حوالي نصف المليون مقاتل عبر الصحراء الكبرى، لأن عبور هكذا حملة للصحراء غاية في الصعوبة ، بل شبه مستحيل، أضف إلى ذلك أنه ما كان ليزج بقوة كهذه بعيداً عنه في الأندلس، لأنها عندها ستكون قادرة وبسهولة على أن تتمرد و تنفصل بالبلاد عنه، مستغلة البعد الشاسع كما فعل عبد الرحمن الداخل وبعدد قليل جداً من الرجال.
خرافة الغنائم

وقد نقضها المسلمون أنفسهم وبقوة عندما تركوها وراءهم لأعدائهم ولم يأخذوها معهم، كما أنها لم تحدث في كل معارك الأمويين الأخرى، عدا عن أن المسلمين كان بوسعهم أخذ الغنائم و الانسحاب من أرض المعركة قبل بدئها لو كان همهم تجميعها، و الحقيقة أن المسلمين أرادوا حماية المخيم الذي هو مركز انطلاقهم، و أنى لهم ألا يفعلوا ذلك؟! فكيف تهاجم قوات الشمال المخيم ويبقى المسلمون يتفرجون؟! كان واجباً عليهم حمايته، ولم يخطئوا في ذلك، ولكن الكثرة تغلب القوة والشجاعة كما هو المثل العربي الشهير.
ويجب أن نشير هنا إلى اختلاف كبير بين قصة الغنائم في أحد وقصة الغنائم في البلاط، فقصة الغنائم في أحد تؤكد على أن بعض الرماة المسلمين نزلوا من على الجبل فقط، وأؤكد على كلمة فقط، بعد أن اطمأنوا إلى أن المسلمين انتصروا، وظهر لهم أن نزولهم لن يضر في شيء، أما قصة الغنائم في البلاط فهي تتحدث عن أن المسلمين تركوا مواقعهم والمعركة في أوجها و عصوا قائدهم، ولم يكترثوا لشيء إلا للغنائم، وهذا ما لم يحدث لا في أحد ولا في غيرها.
يتحدث الحجي في كتابه -وهوأستاذ التاريخ الإسلامي الكبير في كلية الآداب في جامعة بغداد العريقة- قائلاً: قصة الغنائم أسطورة لا أصل لها.


المواضيع المتشابهه:


hgjhvdo hgYsghld : luv;m fgh' hgai]hx hgjhvdo hgai]hx hgYsghln

محمدعبد العال غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-08-2015, 06:08 AM   #2
◘ مشرفة عامة ◘
 
الصورة الرمزية الوردة الزرقاء
 
تاريخ التسجيل: Mon Jun 2014
الدولة: الاردن - اربد
المشاركات: 24,028
معدل تقييم المستوى: 35
الوردة الزرقاء عضو متميزالوردة الزرقاء عضو متميزالوردة الزرقاء عضو متميزالوردة الزرقاء عضو متميز

اوسمتي

افتراضي رد: التاريخ الإسلامي : معركة بلاط الشهداء

سلمت يداك وبارك الله فيك وشكرا لكم

__________________
اللهم اني اعوذ بك من السلب بعد العطاء
الوردة الزرقاء غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-13-2015, 01:43 PM   #3
 
الصورة الرمزية ساره
 
تاريخ التسجيل: Thu Feb 2015
الدولة: وسط التفاؤل و الأمل بغد أفضل
المشاركات: 2,448
معدل تقييم المستوى: 12
ساره is on a distinguished road
افتراضي رد: التاريخ الإسلامي : معركة بلاط الشهداء

شگـرآ لگ أستاذي محمد ،، الله يعطيگـ آلعافية
جزآگـ اللــه خــيـــر ^^



__________________
ساره غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
معركة, التاريخ, الشهداء, الإسلامى, بلاط


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are معطلة
Refbacks are معطلة


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc. TranZ By Almuhajir
adv helm by : llssll
الساعة الآن 01:02 PM